لعنة الثروات الطبيعية العربية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 4:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

لعنة الثروات الطبيعية العربية

نشر فى : الخميس 8 يونيو 2017 - 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 8 يونيو 2017 - 8:40 م
الروائى الأمريكى الشهير «جون شتاينبك» كتب رواية «اللؤلؤة» المليئة بالدروس والعبر. فصياد السمك المكسيكى الفقير، كينو، يعثر بالصدفة على لؤلؤة كبيرة، وحيدة زمانها وباهظة الثمن ومدخل لحل كل مشاكل حياته المعسرة.
لكن ما إن ينتشر ذلك الخبر بين سكان قريته حتى يدخل كينو المسكين فى دوامة ما يعرف بـ«لعنة ثروات الطبيعة». فالحساد والغيورون يتكاثرون من حوله، والراغبون فى سرقة جوهرته الثمينة يحيطون به ويتآمرون على حياته، وتلاحقه اللعنات فى كل خطوة يخطوها، إذ عندما يهرب مع عائلته من قريته مهاجرا إلى المدينة ليبيع جوهرته وينعم بحياة جديدة رغيدة حتى يتبعه اللصوص. هنا تتوسل إليه زوجته بأن يتخلص من الجوهرة بأية طريقة من أجل سلامة العائلة، لكنه يجيبها بأنه متمسك ببيع الجوهرة من أجلها ومن أجل أن يذهب ابنه إلى المدرسة ويتعلم ويخرج من حياة الفقر التى عاشها والده.
ولكن، ويالسخرية القدر، تأبى اللعنة إلا أن تصل إلى قمة مفعولها عندما يقتل اللصوص الابن وتموت مع موته أحلام الأب، وتصبح اللؤلؤة غير ذات قيمة فى حياته.
***
لعنة ثروة الطبيعة التى عاشها كينو المكسيكى عاشتها وتعيشها كل الدول التى شاءت الأقدار أن توجد ثروة طبيعية تحت أرضها، سواء أكانت بترولا أم غازا أم نحاسا أم ذهبا أم ألماسا أم فسفورا أم غيرها من أشكال ثروات الطبيعة.
أدبيات الموضوع تشير إلى صفات وممارسات ترتبط عادة بالدول التى تمنحها الصُدف والأقدار ثروة طبيعية، أى ثروة ليست ناتجة عن جهد وإبداع وتنظيم لإنتاج بضائع وخدمات للناس.
ففى حقل الاقتصاد هناك الكثير من الأدلة على تأثير الثروة المالية المتدفقة والناتجة عن بيع البترول أو الفسفور أو غيرهما؛ تأثيرها على سعر العملة المحلية الذى يصعد باستمرار، وعلى أسعار البضائع التى هى الأخرى ترتفع وتخلق تضخُم فى الاقتصاد. وهذا بدوره يؤدُى إلى ارتفاع قيمة كل السلع الزراعية والصناعية والخدمية التى يراد تصديرها إلى الخارج، كما حدث على سبيل المثال مع هولندا عندما اكتشفت الغاز فى بحرها فى سبعينيات القرن الماضى ونتج عنه ما يعرف «بالمرض الهولندى» الاقتصادى.
وفى كثير من الأحيان أدُت تلك المشكلات النقدية والتجارية الناتجة عن الثروة الريعية إلى ارتفاع كبير فى نسب البطالة.
ولما كانت تلك الثروات الطبيعية ستكون موجودة حتى تنفذ، وسيكون لها حاجة ورواج فى الأسواق، فإن رهنها لدى المؤسسات البنكية الدولية ــ لسدُ ديون وقروض تقترضها الدول من أجل شراء الأسلحة أو بناء مشاريع مظهرية غير منتجة ــ يصبح سهلا وميسرا، مما أدخل العديد من دول اليسر الريعى فى لعنة الديون الثقيلة المتراكمة والمرهقة لأجيال الحاضر والمستقبل.
تلك كانت بعضا من اللعنات فى الاقتصاد. أما فى السياسة فقد ارتبط وجود الثروة الطبيعة الريعية ومسألة من يملكها بتفجُر صراعات وحروب أهلية، كما شهدته العديد من دول أفريقيا، وإلى انتشار الفساد المالى والرشاوى وشراء الذمم وترسُخ ظاهرة الاستزلام. وقد تمُ كل ذلك على حساب تواجد الحكم الديمقراطى الرشيد فى تلك البلدان.
وفى الحالات التى استطاعت فيها ميليشيا مسلُحة من السيطرة على أماكن إنتاج تلك الثروات الطبيعية، كما حدث فى العراق وسوريا، عندما استولت داعش على الكثير من آبار البترول فى هذين البلدين، فإن النتيجة كانت ضخ الدم فى شرايين تلك الميليشيات وإطالة عمر تواجدها التدميرى لتعيث فى الأرض فسادا.
***
والسؤال: هل تلك الصور الاقتصادية والسياسية السوداء، المصاحبة للثروات الطبيعية الريعية، هى قدر محتوم لا فرار منه؟ الجواب هو كلا.
هناك تجارب لبلدان قليلة، مثل النرويج، أثبتت أن بالإمكان تجنب كل تلك السلبيات من خلال إدارة الثروة الريعية بحكمة وتعقل ونظافة يد وإشراك للمجتمع فى الإشراف على تلك الثروة للتأكدٌ من توزيع آثارها وخيراتها بعدالة ومساواة.
مناسبة العودة إلى موضوع لعنة الثروات الريعية، المعروف والمدروس بشكل جيد فى أدبيات الاقتصاد والسياسة، هو المشهد الحالى فى وطن العرب المثخن بالنكبات.
فبدون دخول فى التفاصيل، وبدون الإشارة بأصابع الاتهام إلى هذه أو تلك، فإن الثروات الطبيعية الريعية العربية، قديما وحديثا، وسواء بقصد أو بدون قصد، قد أقحمت من قبل البعض فيما لا يعنيها، واستعملت بأشكال خاطئة مفجعة فى إشعال الحرائق بدلا من إطفائها.
وبدون لف ولا دوران تشهد الأهوال المبكية فى طول وعرض بلاد العرب، وعلى الأخص فى العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال وسيناء مصر، على أشكال لا حصر لها ولا عد من لعنة الاستعمالات الخاطئة لثروات العرب الطبيعية.
وبدون لف ولا دوران أيضا فقد ارتدت نتائج تلك الاستعمالات الخاطئة على آخر معقل من معاقل الهدوء والسلام فى أرض العرب، ونعنى به دول مجلس التعاون الخليجى، لتدخل دوله فى خلافات وصراعات كارثية، من الممكن أن تحرق الأخضر واليابس وتؤدُى إلى مصائب اقتصادية وسياسية.
عند ذاك سنكون قد ساهمنا فى أن تنطبق علينا نظرية «لعنة الثروات الطبيعية» التى أبرزنا بعضا من وجوهها.
من هنا الأهمية القصوى للنظر فى الخلافات الخليجية المشتعلة حاليا من خلال الثوابت والمصالح القومية العربية العليا.

 

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات