شى بيرفع الراس - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 12:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

شى بيرفع الراس

نشر فى : الأربعاء 9 مارس 2016 - 10:00 ص | آخر تحديث : الخميس 10 مارس 2016 - 2:42 م
سلاف تعمل فى مركز لاستقبال الشباب والشابات القاصرين الذين يصلون إلى ألمانيا دون ذويهم، فتساعدهم على الاندماج عبر مساعدتهم فى تعلم اللغة والتأقلم مع طريقة الحياة ريثما يستقرون فى المدرسة، سلاف طالبة تدرس علم النفس، خرجت من سوريا منذ ثلاث سنوات وانتهى بها المطاف فى برلين. زاهى يحضر لشهادة الماجستير الثانية فى المعلوماتية الحيوية، وهو مجال نادر ومعقد، بعد سنة من وصوله إلى ألمانيا فى قصة مثل القصص التى قرأنا عنها أخيرا، فهو عبر الحدود مختبئا فى أسفل عربات للنقل، وتنقل بوسائل مختلفة مشيا وركوبا. هانى يعمل فى مجال الاتصالات والكمبيوتر، ويترأس منظمة سورية تضع لوائح المنظمات المعنية بالعمل الإغاثى والمدنى التى تعمل داخل سوريا، فتصنفها حسب تواجدها الجغرافى وحسب اختصاصها. ماريا تعيد إحياء المطبخ السورى على اختلاف مناطقه، وتلجأ إلى الوصفات المتوارثة كجزء أساسى من الثقافة السورية التى حملتها فى قلبها منذ أن تركت دمشق، تعلمت بسرعة مذاق الألمان عموما فى الطعام، فعدلت بعض الوصفات تماشيا مع الزبائن، وها هى معروفة اليوم عند من يريد أن يدعو أصدقاءه إلى طعام عربى، فهى توفر الطلبات للحفلات الصغيرة والكبيرة. عمر ينتج أفلاما جال معظمها على مهرجانات الأفلام العالمية. دارا تبحث عن طرق تساعد من خلالها المخرجين الشباب بالدخول سريعا إلى مساحة نفسية تخرج كل ما فى داخلهم على شاكلة إبداع. سعد فنان ارتقى إلى العالمية، ويعمل حاليا ضمن جامعة ألمانية مرموقة أعطته منحة علمية يطور من خلالها تقنية عمله. راوية كاتبة جميلة القلم والقلب، تنسال الكلمات من يديها بغزارة فتحاكى المنطق والعاطفة بشكل يوضح دون أى التباس أملها بغد تؤمن أن بلدها تستحقه.

***
فى الذكرى الخامسة لبداية الحراك الشعبى فى سوريا، تتفتح الزهور السورية فى بلادها الجديدة، بعضها بدأت جذوره تحفر فى الأرض وبعضها الآخر ما زال يبحث لنفسه عن مكان فى النور، لكن معظمهم كعباد الشمس مازال فى قلبه يتوجه نحو سوريا بحثا عن الدفء، حتى ولو تأقلم مع حياته الجديدة وأصبح يتقن لغة البلد.

قصص كثيرة يحكيها الشباب والشابات عن رحلتهم وعن حنينهم وعن أحلامهم، بعضهم ندم على خروجه من سوريا دون أن يحدد تماما سبب الندم، لكن العدد الأكبر منهم لا ينظر إلى الخلف حتى وإن كان لم يتضح بعد ما أمامه. الوصول إلى أوروبا قد يبدو آخر المطاف حين يقف أحدنا على الجهة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، لكن الوصول ما هو سوى الخطوة الأولى فى حياة جديدة قد تكون أصعب، على الأقل فى أولها، مما تخيله العديد عند تخطيطهم للرحلة. فالإجراءات القانونية تستغرق شهورا، ومراكز الاستقبال، حيث يعيش القادمون الجدد عند وصولهم، غالبا ما تفتقد لأية مساحة خاصة بالفرد، فقد صممت بحيث تستوعب أعدادا كبيرة من حديثى القدوم الذين يقيمون فيها إلى أن يحصلوا على أوراق قانونية ينتقلون بموجبها إلى أماكن يعيشون فيها لمدة أطول.

خلال فترة التخبط، يبدأ البعض بشق طريقه، بدءا من محاولته فهم طبيعة المدينة الجديدة وتعلم لغتها وملاحظة عادات أهلها: كيف يتصرفون فى الحدائق العامة؟ كيف يتعاملون مع الزحمة؟ هل يقرأون وهم واقفون فى الطابور أو حين يكونون فى المترو أو فى الباص؟

الأكثر سرعة وانفتاحا منهم يلتقط هذه العادات ويبدأ بتطبيقها فورا، مستخدما ما يتعلمه من كلمات باللغة المحلية حتى ولو كان غير قادر بعد على تركيب جمل كاملة، يبحثون عن منحة لدراسة تمكنهم من إعادة تدوير أنفسهم بسرعة كى يبدأوا حياة عملية، وهؤلاء كثيرون. الأقل تحضيرا يمضى ساعات فى مركز الإيواء يدخن السجائر، ويتحدث مع أهله فى سوريا عبر الانترنت أو مع آخرين معه فى نفس المركز، وهؤلاء عددهم أقل.

***
فى برلين خرجت اللغة السورية إلى الشارع فاختلطت بلغات أخرى عديدة أغنت المدينة، تقف على زاوية الطريق فتسمع أحدهم يقول وفى يده الهاتف المحمول: «إيه أمى سامعك منيح، الحمد لله أمورى تمام». تقترب من محطة القطار فيسألك شاب عن مكان المحطة، تنظر إليه فتراه يشبه ابن خالك الذى لم تره منذ فترة «أنت من سوريا؟» تسأله ردا على سؤال يبدو فجأة غير مهم، فعينا الشاب تلمعان حين يسمعك تحدثه بلغة أهله.

«فى هون محل شاورما متل محلات الشام تمام» تقول صديقة بحماس، «ليش ما مشى حالك بالشاورما التركية اللى موجودة بألمانيا؟» أسألها لأسمع ردها، «أكيد لأ مو نفس الشى أبدا» تجيب دون تفكير، «إذا بدك منروح لعندو وبتشوفى» تضيف. نذهب إلى المطعم فتظهر بلدى أمامى فى الشكل والصوت والطعم والرائحة. «أهلين وسهلين، على راسى والله» يقول الشاب وهو يقشر اللحم وينسله من على سيخ الشاورما. يلف اللحمة فى خبزة رقيقة دهن عليها الطحينة، يضيف البقدونس المفروم والطماطم المقطعة، ثم يعطينى إياها فأشعر أن أحدهم وضع دمشق فى كفى.

***
من الطباخ إلى الفنان إلى الكاتبة إلى المهندس إلى الطبيبة، إلى كل أولئك السوريين الشباب ممن وصلوا إلى بلاد جوها بارد ومستقبلهم فيها مشمس: ما أجمل أن ترفع رأسك بأبناء بلدك وأن تقول: أنا منهم، أنا من هناك، أنا من بلاد اضطررت أن أتركها لكنها لا تتركنى، أنا من هناك لكننى الآن هنا وسأنجح. حين حكيت عن هؤلاء لصديق أجنبى يتحدث العربية بطلاقة بعد أن تعلمها فى دمشق منذ سنوات بعيدة، ابتسم وقال: «فعلا شى بيرفع الراس».
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات