مستقبل اللامعقول العربى - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأحد 16 يونيو 2024 10:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مستقبل اللامعقول العربى

نشر فى : الخميس 9 يونيو 2016 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 9 يونيو 2016 - 10:10 م
بعد مرور ما يزيد على خمس سنوات ونصف السنة على الربيع العربى الذى ببساطة تمحور حول تطلعات الشعوب العربية للمزيد من الحريات لأبنائها. نشهد اليوم لحظة غريبة من تاريخنا، لحظة لا يمكن معها تصنيف ما يحدث حتى بالفوضى واللامعقول. فهناك ظهور وتمدد تنظيم الدولة من ناحية وتزايد وتيرة الحروب الأهلية من ناحية أخرى فى عدد من الدول العربية. وهناك توتر كبير فى تركيبة العلاقات المدنية العسكرية فى الدول التى لا تعرف الحروب، وهناك زيادة واسعة لوتيرة استخدام أدوات القمع والاستبداد من الخليج للمحيط. وهناك أيضا حالة غير مسبوقة من بناء خريطة تحالفات عربية إسرائيلية لم يتخيلها العقل العربى الجمعى على الإطلاق، فى ذات الوقت تشهد الدول العربية علاقات ملتهبة مع دول الجوار التاريخية كتركيا وإيران، وتغير نمط العلاقات غير المتوازنة مع الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. وبين هذا وذاك هناك تغيرات غير مسبوقة ترتبط بطبيعة سوق الطاقة الدولية وتأثيراتها السلبية على الدول العربية بشكل عام. ويصب كل ما سبق ذكره فى تبخر أى آمال فى ديمقراطية عربية فى المستقبل المنظور.
***
توقع الكثيرون مع بدء ربيع العرب فى تونس ومن بعده مصر قبل ستة أعوام أن يتخلص المواطن العربى من الاستبداد، وحلم الكثيرون بجمهوريات جديدة لا يعرف فيها المواطن الخوف من السلطة، ولا تجرؤ السلطة فيها على المساس بالحقوق السياسية والحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية التعبير والتظاهر للمواطنين والنشر للصحفيين. حلم الكثيرون بإصلاح هيكلى للأجهزة الأمنية لتكون فى خدمة الشعب بدلا من خدمة السلطة وخدمة مصالحهم. وتوقع الكثيرون أن يكون لقيم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية دور أكبر فى مستقبل الشعوب العربية. إلا أن هذه التوقعات والآمال تبخرت مع عودة قوية لمظاهر الاستبداد التقليدية مصاحبة بمعارضة واضحة لأى محاولات تغيير وإصلاح ضرورية.
دعم ظهور وتمدد تنظيم داعش عودة التنظير السياسى للمبررات القديمة الداعمة للاستبداد على شاكلة ضرورة «الحفاظ على هيبة الدولة» ولا صوت يعلو فوق صوت «الحرب على الإرهاب». ويأتى ذلك بعدما اعتقد البعض أن الشعوب العربية تخلصت من ثنائية إما أن نحكم ونقمع وإما نعيش فى خوف وفوضى؛ وهى الثنائية التى فرضتها عليهم النظم الحاكمة لعقود عن طريق زرعها لعنصر الخوف فى نفوس الشعوب العربية. واعتقدت شعوب العرب أنها تخلصت من ثنائية الاستبداد الكلاسيكية (نحن أو الفوضى)، إلا أن حلم العرب فى ديمقراطية حقيقية يبتعد يوما بعد يوم.
ورغم أن الخريطة الجيو ــ استراتيجية للدول العربية لا تدفع إلا لمزيد من الإحباط، فإنه ومن المؤكد أن السلاح الأقوى فى مواجهة التنظيمات والميليشيات الراديكالية المسلحة هو المزيد من الحريات وإعمال سيادة القانون، وتبنى مسار ديمقراطى حقيقى. وعلينا جميعا أن نرفض دعوات عودة الاستبداد من جديد وأن نختار التأسيس لدولة مصرية ودول عربية ديمقراطية حديثة؛ دول لا يوجد بها أى استبداد، لا دينى ولا دولاتى ولا طبقى ولا عسكرى، ولا أى قمع من أى نوع، ولا يظلم ولا يهان فيها أى مواطن، ولا يخشى فيها المواطن الدولة. وتلك الدول هى التى يصعب فيها نشوء وتطور الإرهاب والتطرف بكل أشكاله.
***
قبل مائة عام وقبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، اجتمع سرا فى القاهرة عام 1916 «جورج بيكو» القنصل الفرنسى فى بيروت، مع السير «مارك سايكس» المندوب السامى البريطانى لشئون الشرق الأدنى، إضافة لمندوب روسى، وأسفرت مجموعة من الاجتماعات عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الخاضع للسيطرة العثمانية إلى مناطق نفوذ فرنسية وأخرى بريطانية. ما حدث عام 1916 يتكرر اليوم فى عملية متواصلة منذ أعوام قليلة فى صور مختلفة وإن كانت تهدف لما هدفت إليه خطط الماضى من إعادة رسم خريطة جديدة لدول وكيانات المنطقة. ويبدو أن الاختلافات بين خريطة الأمس وخريطة اليوم ومناطق النفوذ واسعة ومتنوعة، إلا أن المشترك أن العرب كانوا مفعولا به تماما فى الحالة الأولى، وقامت القوى الأوروبية بتقسيم المنطقة طبقا لمناطق نفوذها متجاهلة رغبات وطموحات شعوب العرب، وكذلك اليوم أيضا. اليوم تقوم القوى الخارجية بدور واضح بدا أنه عملية استغلال استراتيجى أتاحته لها حالة السيولة التى تشهدها المنطقة العربية، إلا أن ذلك يمهد له ويسهل حدوثه نخب وقيادات عسكرية وتقليدية ومدنية لا تريد إدراك ما يحاك لشعوبها.
واليوم تساهم الشعوب العربية فى تشكيل خريطة الغد بدماء الآلاف من أبنائها، ويستخدم البعض نعرات طائفية ودينية ومذهبية ضيقة تعود بنا للقرون الوسطى وهو ما يبدد أى آمال فى الحصول على حرية أو عدالة ظلت غائبة لعقود طويلة. وقد خلقت خريطة سايكس بيكو القديمة دولا اعتمد بقاؤها على حكومات محلية ضعيفة سواء كانت ملكية أو جمهورية تابعة لدول خارجية. وبعد حالة الضعف التى تعرضت لها القوى الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تأكدت الدول الغربية من ضرورة إنهاء الاستعمار فى صورته التقليدية، وما كان لها إلا أن تدرك أن وجود نخب ديكتاتورية تسلطية يعد ضمانا كافيا لسيطرة غير مباشرة وغير مكلفة على ثروات ومقدرات شعوب المنطقة.
ورغم إيمانى الشخصى أن عضال العرب كبير ومعقد، إلا أننى أرجعه كله إلى مفهوم واحد ألا وهو الاستبداد. ويمكن تعريف الاستبداد ببساطة على أنه نظام حكم ينفرد بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لمحاسبة ودون النظر إلى رغبات المحكومين. ويتميز نظام الحكم الاستبدادى بدرجة عالية من قوة الدولة من ناحية، وضعف للمجتمع من ناحية أخرى. وطالما توحشت النظم العربية الحاكمة على حساب مجتمعاتها وشعوبها، لن يتوقف مسلسل اللامعقول العربى، بل سيستمر ويأخذنا لواقع كان الكل يعتقد أنه خيالا محضا.
محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات