السياسة الدولية منذ القرن العشرين.. الغزو العراقى للكويت - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 6 أكتوبر 2022 8:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مبادرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة؟

السياسة الدولية منذ القرن العشرين.. الغزو العراقى للكويت

نشر فى : السبت 9 يوليه 2022 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 9 يوليه 2022 - 7:20 م
بينما كانت الحرب الباردة تشهد نهايتها بانفصال العديد من الولايات السوفيتية عن الاتحاد الشيوعى وابتعاد دول الكتلة الشرقية عن سطوة موسكو، قام صدام حسين ــ الرئيس العراقى آنذاك ــ باجتياح دولة الكويت العربية، ليكون ذلك بمثابة أول احتلال شامل من قبل دولة عربية لجارتها العربية منذ إنشاء جامعة الدول العربية فى عام ١٩٤٥.
كانت العلاقات بين الجارتين العربيتين على ما يرام وخصوصا خلال سنوات الحرب العراقية ــ الإيرانية ١٩٨٠ ــ ١٩٨٨، حيث أيدت الكويت العراق فى حرب الأخيرة ضد الجارة الفارسية ديبلوماسيا وكذلك اقتصاديا، فالتقديرات تذهب إلى أن الكويت أمدت العراق بنحول ١٥ مليار دولار خلال تلك الحرب، وهو ما تسبب فى عدة هجمات عسكرية إيرانية على الكويت عقابا لها على هذا الدعم.
ورغم تلك المساعدات الكويتية غير المشروطة إلى العراق إلا أن العلاقات بين الجارتين توترت بشدة بعد انتهاء الحرب وذلك بسبب عدة عوامل وفى مقدمتها رفض الكويت منح إعفاء لديونها على العراق، بالإضافة لرفضها خفض إنتاج البترول رغم إصرار العراق على ضرورة الخفض للاستفادة من ارتفاع أسعار البترول فى دعم الاقتصاد العراقى الذى تضرر بشدة بعد الحرب مع إيران.
رأت العراق أن تلك التصرفات الكويتية غير ودية، فقد زعمت حكومة العراق من ناحية أن ديونها للكويت مستحقة الإعفاء لأن حربها مع إيران حمت الكويت من الهيمنة الإيرانية، كما زعمت أن خفض الإنتاج هو واجب على الكويت لمساعدة الاقتصاد العراقى فى التعافى! ورغم أن الكويت لاحقا وافق على خفض الإنتاج إلا أن مشكلة الديون ظلت عالقة بين البلدين ولم تفلح المفاوضات الدبلوماسية فى حلها.
لكن أزمة أخرى تفجرت بين البلدين حينما اتهمت العراق الكويت، بقيام الأخيرة باستخدام معدات وطرق متطورة لاستخراج البترول من حقل بترول الرميلة الحدودى بين البلدين مما تسبب فى الإضرار بالحصة العراقية من الحقل، وادعت بغداد أن خسائرها بلغت نحو ٢.٥ مليار دولار! وبالتوازى مع ذلك بدأت حملة إعلامية عراقية تدعى أن الكويت هى فى الأصل جزء من ولاية البصرة تاريخيا، ورغم محاولات بعض الدول العربية التدخل إلا أن العراق أخذت فى تصعيد الموقف وحشدت قواتها على الحدود، وفى يوم ٢ أغسطس 1990 شنت حملة عسكرية شاملة على الكويت حتى تمكنت من احتلالها بشكل كامل فى خلال ٢٤ ساعة وسط مقاومة كويتية متقطعة ولكنها لم تصمد كثيرا أمام فارق القوة العسكرية، ففرت الأسرة الحاكمة الكويتية إلى المملكة العربية السعودية وتبعها عشرات الآلاف من الأسر الكويتية، وكذلك العمال الأجانب والعرب، لتقوم العراق بتعيين حكومة كويتية جديدة وتعلن رسميا عودة الكويت «المحررة» إلى أراضيها!
• • •
كان للحدث تأثير كبير على تطور العلاقات الدولية والإقليمية فى المنطقة، تخطى بكثير الرقعة الجغرافية التى جرى فيها! فالمسألة لم تكن مجرد احتلال دولة كبيرة لجارتها الصغيرة، ولكنه صراع فى منطقة مليئة بالبترول وما يمثله ذلك من أهمية استراتيجية دولية كبيرة، فضلا عن أنه مثّل تهديدا كبيرا لباقى دول الخليج العربى ولا سيما السعودية!
فشلت جامعة الدول العربية فى تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك، ولكن الجامعة سمحت بتدخل قوات أجنبية لتحرير الكويت فى اجتماع عاصف شهير جرت أحداثه فى أحد الفنادق الشهيرة بوسط القاهرة! أيدت فلسطين واليمن وليبيا العراق، بينما وقفت مصر ومعها معظم الدول العربية بشدة ضد الاحتلال وهنا كان الدور على المجتمع الدولي!
أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات التى طالبت العراق بالانسحاب غير المشروط من الكويت لكن بلا جدوى، فقامت الولايات المتحدة باستغلال الموقف وخاصة فى ظل انشغال الاتحاد السوفيتى بمشاكله الداخلية، وأعلن الأمريكان تكوين تحالف دولى عسكرى لتحرير الكويت من الاحتلال العراقى ليبدأ فصل جديد من العلاقات الدولية كان إحدى علامات النهاية الفعلية لنظام القطبية الثنائية (أى سيطرة قوتين عظميين على النظام الدولي)، والتحول نحو نظام القطب الأوحد حيث انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية على العلاقات الدولية.
• • •
تشكل التحالف من ٣٤ دولة بالإضافة إلى الولايات المتحدة، بميزانية ومعدات عسكرية ضخمة عبرت قناة السويس ومنها إلى منطقة الخليج العربى حيث بدأت العملية العسكرية لتحرير الكويت، والتى استمرت من منتصف يناير وحتى ٢٥ فبراير 1991 حيث تم إعلان تحرير الكويت رسميا، لكن بقى سؤال عالق، هل صحيح أن الولايات المتحدة هى من أوحت لصدام حسين بغزو الكويت وأوقعت به فى الفخ؟
كانت هذه هى النظرية التى انتشرت بشدة بين بعض الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية العراقية والعربية ووجدت بعض الصدى فى المحافل المماثلة دوليا، فما حقيقة هذا الأمر؟
وفقا لما هو متاح من معلومات بما فيها تسريبات «ويكيليكس» الشهير فإن السفيرة الأمريكية لدى العراق «إبريل جلاسبى» قد نقلت قلقها إلى القيادات العسكرية العراقية من الحشود العسكرية والتدريبات المتصلة قبل أيام قليلة من الغزو، وقد سألت عن أسباب هذا التصعيد، وجاءت الإجابات العراقية مراوغة! لكن الأهم، أن اجتماعا تم بناء على طلب السفيرة مع الرئيس العراقى صدام حسين، وما زال ترجمة محضر هذا الاجتماع محل جدل وتساؤلات عديدة، ففى الاجتماع بحسب الرواية العراقية، فإن السفيرة الأمريكية أكدت للرئيس العراقى عدم التدخل العسكرى الأمريكى لحماية الكويت كون أنه لا توجد اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين! كذلك فوفقا للرواية العراقية فقد أكدت السفيرة الأمريكية أن النزاع العراقى الكويتى هو شأن عربى بحت لا يهم الولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته القيادة العراقية ضوءا أخضر من الأمريكان للغزو!
أما بحسب السفيرة الأمريكية فإن محضر هذا الاجتماع قد جرى ترجمته بشكل غير دقيق، وأن ما قصدته هو أن الولايات المتحدة لن تتدخل فى الصراع الدائر وقتها (المناوشات الحدودية، والصراع على حقل الرميلة)، لكنها أصرت على أنها لم تشر من قريب أو بعيد إلى التزام الحياد حالة قيام حرب! ووفقا لما تم تسريبه عبر «ويكيليكس» فإن رواية السفيرة الأمريكية تبدو الأكثر دقة، بحيث أنها نقلت إلى القيادة العراقية التأكيد على التزام الحياد وعدم التدخل فى ظل مستوى الصراع الذى كان قائما وقت الاجتماع! وأن كل الرسائل المتبادلة بين السفيرة وبين الخارجية الأمريكية فى واشنطن قد أكدت هذا المعنى بالفعل!
وعلى أى حال، فالمؤكد أن إقدام صدام حسين على غزو الكويت قد أدى إلى قلب معادلة الشرق الأوسط رأسا على عقب، حيث استغلت الولايات المتحدة الموقف، ليس من أجل السيطرة على بترول الخليج فحسب، ولكن أيضا تمكنت من خلال هذه الحرب من تأكيد سيادتها الدولية، وكذلك من توسيع قواعدها العسكرية وخصوصا فى منطقة الخليج العربى، حيث قامت الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك مع دول الخليج للدفاع عنها حال وجود أى تهديد عسكرى وخاصة من العراق أو إيران، وهو الوضع الذى استغله الأمريكان جيدا من أجل فرض معادلة جديدة فى الشرق الأوسط، وهى معادلة السلام والتى كانت إرهاصاتها الأولى مع مؤتمر مدريد ١٩٩١، وهو ما نكمل عنه الحديث الأسبوع القادم.
أحمد عبدربه أستاذ مساعد للعلاقات الدولية- جامعة دنفر