كثير من سكان القاهرة يرسمون صورة وردية للقرية المصرية، باعتبارها لا زالت جنة الله على الأرض، الشجر الأخضر على مدى البصر، الناس طيبون، الرجل يربي أبناءه على العادات والتقاليد وقبلهما القناعة والشرف، الخير يملأ البيوت، والحياه كريمة. جزء من هذه الصورة ترسخ كرد فعل طبيعي لأغانٍ جميلة، كانت في يوم جزءًا من الحقيقة، مثل "محلاها عيشة الفلاح" التي كتبها بيرم التونسي، ولحنها محمد عبد الوهاب لأسمهان عام 1939 بفيلم "يوم سعيد"، ثم قام بغنائها بعد ذلك، وفعلتها أيضًا نجاة الصغيرة.
للأسف مضطر أصدمكم، هذه الصورة تغيرت كثيرًا، فعيشة الفلاح لم تعد تعبر عنها هذه الأغنية: (محلاها عيشة الفلاح مطمن قلب مرتاح.. يتمرغ على أرض مراح والخيمة الزرقا ساتراه.. واللقمة يأكلها ومبسوط، أكمنه وأكلها بشقاه.. الشكوى عمره ما قالهاش إن لاقى وإلا ما لاقاش). عفوًا عبد الوهاب وبيرم، الآن واقع القرية أصبح شديد القبح، والصورة التي يتخيلها أبناء المدينة وصدرتها أغنيتكم الجميله، لم يبقِ من تكوينها إلا مساحه خضراء لا يخفى على أحد أنها تتعرض حاليًا للتآكل، نتيجة الاعتداء المستمر، في وقت تبحث الدولة عن استصلاح زراعي بالصحراء.
في زيارتي الأخيرة لقريتي الصغيرة التابعة لأحد مراكز محافظة كفر الشيخ، اكتشفت أن هناك تغيرًا خطيرًا طرأ عليها وعلى كل القرى المجاورة، لا أقصد إهمال الدولة للفلاح وشعوره الدائم بالتهميش، فهذه قصيدة يحفظها الجميع وتُردد دائمًا في احتفالات وأعياد الفلاح.
الكلام هنا عن تغير شخصية أهل القرية بشكل يدمر كل صورة وذكرى جميلة عن ريف أصبح معظم شبابه وأطفاله يتباهون بتعاطي مخدر "البانجو والحشيش" جهارًا نهارًا في الشوارع، بعد أن كان الشاب من هؤلاء في الماضي يخجل من شرب مجرد سيجارة في حضور والده أو أي شيخ كبير.
المعاكسات والمضايقات والتحرش يتكرر في كل مكان "عيني عينك وبكل بجاحة"، بعد أن كانت الأم تأمن خروج ابنتها في أي وقت مطمئنة لكل شباب القرية، الذين يعتبرون هذه الفتاة شقيقه لهم. أيضًا حدّث ولا حرج عن حالات السطو التي تتعرض لها المنازل والمحال، والسرقة بالإكراه في الطرقات، بعد أن كان رب البيت في الماضي يذهب إلى النوم تاركًا الباب مفتوحًا بلا أدنى خوف على أسرته ورأس ماله المتمثل في قطعة أو أكثر من الماشية.
ليس من زمن بعيد كانت الصورة لا تزال تحتفظ بنضارتها، فقبل سنوات قليلة كان الريف أمانًا، ولا يحتاج إلى أمن شرطة، الناس لم تكن تلجأ إلى القضاء والخلافات تُحل في جلسات عرفية قبل أن تصل إلى مسامع الناس، عكس الآن فلو أنك عائد من "مشوار" بعد منتصف الليل فالطبيعي أنك ستتعرض إلى "التثبيت والتقليب" تحت تهديد السلاح – رشاش آلي، حسب جميع الشهادات، أما الخلافات العائلية فلا تفصل فيها حاليًا إلا المحاكم.
مؤكدًا أن أسبابًا كثيرة دفعت الريف المصري إلى هذا التحول المفاجئ تحتاج إلى دراسات وأبحاث من علماء الاجتماع والنفس، ولكن هناك أسبابًا ظاهرية اجتماعية واقتصادية وأمنية يراها حتى من لا يملك النظر، وأعتقد جميعنا استوقفه مؤخرًا حادثة حرق فلاح لمحصول القطن في محافظة الشرقية، بسبب تدني أسعاره.
الأزمة الكبرى أن الدولة رغم كل ما سبق ترفض الاعتراف بأن الريف يحتاج إلى نظره مختلفة في التعامل، ليس فقط من أجل زيادة الإنتاج والحفاظ علي المساحه الخضراء، لتحقيق ما تحلم به من اكتفاء ذاتي، ولكن لأن انفجار الريف بات أمرًا متوقعًا في ظل ما وصل إليه سكانه من فقر مدقع، يصاحبه انفلات في الأمن والأخلاق وصل مداه، وكراهية وبغض ملأ النفوس، وشقاق سياسي اخترق المجتمع وضرب العائلة الواحده، حتي إنه وعلى غير العادي انغلقت كثير من العائلات على أنفسها في شكل يشبه كثيرًا عزلة المدينة.
كان مهمًا اليوم إعلام الحكومة بأن سكان الريف فاض بهم الكيل واقتربوا من الكفر بالدولة، التي تتفرغ للبحث عن هيبتها في القاهره ومناطق الصراع مع الجماعات المتطرفة والإرهابية، لكن يجب أن تعلم الدولة بأنها يكفيها جرمًا شعور أهل القرية الدائم بأنهم " مش على الخريطة" حسب تعبيرهم الشائع.
بقى أن أطلب من رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب، المعروف بنشاطه وجديته، أن يتوقف ولو مؤقتًا هو وحكومته عن الاستماع لأغنية "محلاها عيشة الفلاح" ويذهب إلى الريف، ليحل ولو جزء بسيط من مشاكله وأوجاعه.