الخلافة العثمانية: التأسيس! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 25 أغسطس 2019 2:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





الخلافة العثمانية: التأسيس!

نشر فى : السبت 10 أغسطس 2019 - 8:00 م | آخر تحديث : السبت 10 أغسطس 2019 - 8:00 م

من الطبيعى أن نجد للتاريخ كتابات عدة وسرديات مختلفة وأحيانا تكون متناقضة، إلا أن حجم التناقضات والسرديات المتصارعة التى يمكن أن نجدها بخصوص تاريخ الدولة العثمانية يكاد أن يكون غير مسبوق! يعرف ذلك دارسو التاريخ العثمانى حيث تتعدد الكتابات التركية والعربية والغربية عن تاريخ الإمبراطورية العثمانية وكلها تقدم قصصا ورؤى مختلفة حتى أن الدارس يحتار أى السرديات يعتمد!
رغم عدم تخصصى فى التاريخ، إلا أنى محب له، وأدعى أنى لم أقرأ مقدار التحذيرات فى استهلالات كتب تاريخية علمية عن توخى الحذر وعدم القراءة لكتاب بعينهم أو كتابات بعينها مثلما قرأت فى كتب التاريخ العثمانى التى عادة ما يتم استهلال عدد كبير منها بالتحذير من كتابات أخرى تحت دعوى أنها متحيزة!
هناك كتابات تحاول التركيز على القومية التركية المتمايزة عن غيرها من القوميات الأخرى (وخصوصا العربية) عند تناول التاريخ العثمانى، حيث تحاول بعض هذه الكتابات التقليل من البعد الإسلامى فى تاريخ الدولة العثمانية وتركز فقط على الجوانب القومية العلمانية، بينما تحاول كتابات أخرى التركيز على البعد الإسلامى للإمبراطورية العثمانية وكيف أنها أنقذت الحضارة الإسلامية من الاضمحلال، بينما تركز كتابات ثالثة على دموية الإمبراطورية العثمانية وفظائعها... إلخ
لا يمكن إزاء هذه التناقضات إلا أخذ نصائح المؤرخين بمحاولة تنويع المصادر وكذلك التفرقة بين الرأى والأيديولوجية والتحليل والسرد عند قراءة المتن، صحيح أنها مهمة غير سهلة ولكن لا يمكن تجنبها على أى حال.
***
يعرف الدارسون للمنطقة العربية والشرق الأوسط أن فهم التاريخ المعاصر لهذه المناطق لابد وأن يتم عبر فهم تاريخ الإسلام ومنه تاريخ الدولة العثمانية تحديدا باعتباره تاريخ الدولة الإسلامية الأقوى والأحدث بالإضافة إلى فهم تاريخ الاستعمار وكذلك تاريخ الحركة الصهيونية وإنشاء إسرائيل! إذن فطلاب العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية والعلاقات الدولية عليهم دراسة التاريخ الطويل للإمبراطورية العثمانية لفهم الكثير من التشابكات والأحداث السياسية المعاصرة.
بينما كانت الدولة العباسية آخذة فى الانهيار والتشرذم التدريجى بعد قرون من حكم المسلمين، كانت بالتوازى إرهاصات خلافة أخرى تقوم بشكل تدريجى فى الأناضول على يد السلاجقة والتركمان على النحو الذى شرحته فى مقالات سابقة. الحقيقة أن الأتراك (على عمومية الإشارة العرقية هنا) كانوا متواجدين فى بلاط الخلافة العباسية والدول التى جاورتها كالدولة الطولونية والإخشيدية والأيوبية فضلا قطعا عن دولة المماليك. فى كل هذه الدول كان للأتراك أدوار عسكرية وسياسية واقتصادية، لكن صعود العثمانيين فى الأناضول كان بمثابة تأسيس لخلافة مستقلة وقوية أنهت معظم التشرذمات والانقسامات، بدأت من الأناضول مستغلة صراعات وانقسامات السلاجقة والتركمان والمغول والصليبيين فضلا قطعا عن غياب العباسيين التام عن الأناضول.
تحول الأتراك الذين تحركوا من وسط آسيا وشمال الهند وغرب الصين إلى الأناضول للإسلام فى العهد الأموى وكانوا قبل ذلك يدينون بالعديد من الديانات أشهرهم ديانة «كوك تنرى» وكذلك الديانة الشمانية، فضلا عن أن بعض السلالات التركية قد اعتنقت اليهودية والمسيحية وغيرهما. ووفقا لـ «كوك تنرى» فلا توجد معابد ولا رجال دين، وإله الأتراك القدامى وفقا لهذه الديانة هو إله لهم فقط وليس إله للعالمين كما تعتقد الديانات الإبراهيمية. كان الند الأكبر للعرق التركى هم المغول فحاولوا مخالفتهم فى كل ما يفعلونه ويأكلونه، من اتبع ديانة الكوك تنرى لا يأكل الخنزير لأن المغول يأكلونه، يهتمون ببكارة بناتهم لأن المغول لا يهتمون، وهكذا فى طرق المأكل والمشرب والملبس وباقى سلوكيات الحياة. عرف عن العرق التركى منذ القدم مهاراته العسكرية وقدراته على إنتاج أسلحة متطورة وفقا لمنطق عصره.
حين تحول الأتراك إلى الإسلام، كان العرب يستخدمونهم فى الجيش لمهاراتهم الحربية وقوة تحملهم، وقد أسسوا بعد تحولهم للإسلام العديد من الدول والسلطانات المستقلة مثل الطولونية والغزونية بالإضافة إلى الدولة السلجقية الكبرى سالفة الذكر وسريعا ما انتشروا فى كل أرجاء الخلافة الإسلامية فى شبه الجزيرة ومصر والهند وأراضى غرب الصين وبلاد فارس والعراق ووسط آسيا ثم أخيرا فى الأناضول.
***
فى العصر العباسى الثالث تزايدت الإمارات الأناضولية المحكومة بواسطة السلاجقة والتركمان ومن ضمن عشرات العشائر والسلالات التركية بدأ نفوذ أسرة «عثمان أوغلو» أو بنو عثمان يتزايد حيث تمكنوا رويدا من السيطرة على وتوحيد العديد من الإمارات الأناضولية.
تمكن الوالى عثمان بك والذى حكم القطاع الشمالى من الحدود البيزنطية فى غرب الأناضول لمدة وصلت إلى ربع قرن (١٢٩٩ــ١٣٢٤) من بناء إمارته المستقلة عن السلاجقة وتمكن هو ومن خلفه من السلاطين فى الحكم: أروخان (١٣٢٤ــ١٣٦٢)، مراد الأول (١٣٦٢ــ١٣٨٩)، بايزيد الأول (١٣٨٩ــ١٤٠٢) من تأسيس ما يمكن تسميته بالعصر العثمانى الأول حيث التوسع التدريجى فى الأناضول وتوحيد المزيد من السلالات والقبائل التركية.
فور وفاة بايزيد الأول نشب نزاع على السطلة لعقد من الزمان قبل أن يستمر العثمانيون فى توسعاتهم مجددا حتى بدأ العثمانيون فى تأسيس إمبراطورية عالمية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر حيث قاموا بالحملات العسكرية فى وسط آسيا وشرق أوروبا وجزر شرق البحر المتوسط واليونان حتى أنهم وصلوا إلى إيطاليا ولاحقا إسبانيا!
لمدة قرن كامل لم يحدث أى احتكاكات بين العثمانيين والدولة المملوكية فى مصر، إلا أنها تجددت مع نهاية القرن الخامس عشر حينما اشتكى العثمانيون من تعرض الحجاج الأتراك للسلب والنهب وقطع الطرق بواسطة البدو وطلب العثمانيون إثر ذلك إرسال جنود أتراك إلى الدولة المملوكية لتأمين الطرق وهو ما قوبل بالرفض من الأخيرة والتى أخرت بدورها ردا على هذا الطلب هدية عبارة عن مجوهرات ثمينة كان قد أرسلها سلطان الهند الجنوبية إلى السلطان العثمانى عن طريق الدولة المملوكية مما أدى إلى نشوب الحرب بين العثمانيين والمماليك.
رغم محاولة الطرفين عدم توسعة الحرب إلا أنها استمرت لسنوات، ورغم محاولة قايتباى الصلح مع العثمانيين مذكرا إياهم بالإسلام كموحد بين الدولتين وكذلك إشادته بدور العثمانيين فى مواجهة المسيحيين فى أوروبا عارضا اتفاقية لإعادة ترسيم الحدود، إلا أن العرض قد قوبل بالرفض لأن العثمانيين لم يعتادوا أن ينهوا حربا دون انتصار، لكنهم لاحقا بالفعل تلقوا بعض الهزائم ولم يتمكنوا من السيطرة على مصر والشام ليتم الصلح وإعادة ترسيم الحدود بينهما.
***
فى هذه الأثناء كانت غرناطة قد سقطت وانتهت الدولة الإسلامية فيها بعد حكم دام لثمانية قرون تقريبا ولم ينقذ سكان غرناطة من العرب والمسلمين وقد بلغ عددهم زهاء ٣٠٠ ألف مواطن من القتل على يد الإسبان سوى الأسطول العثمانى الذى كان قد وصل للمرة الأولى إلى غرب المتوسط، ووفقا للأديب والشاعر التركى نامق كمال (١٨٤٠ــ١٨٨٨) بحسب ما أورده المؤرخ التركى يلمز أوستونا فى كتابه المعنون «تاريخ الدولة العثمانية» ترجمة عدنان محمود سليمان والصادر فى ١٩٨٨ فى الصفحات ١٩٥ــ١٩٦، فإنه قال «عندما أخذ الإسبان غرناطة أجبروا الشعب على تبديل دينهم، وحينما أخدنا نحن استانبول، منحنا الحرية الكاملة لسالك كل مذهب فى ممارسة شعائره الخاصة».
تقول بعض المصادر التاريخية إن الإسبان خيروا السكان العرب بين الكاثوليكية أو مغاردة غرناطة خلال أربعة أشهر ولما انتهت المدة ولم يستجب معظمهم، فقد حاول الإسبان قتلهم أو سجنهم قبل تدخل الأسطول العثمانى كما ذكرنا أعلاه! الحقيقة أيضا فإنه وفقا ليلمز أستونا فإن البرتغاليين قد فعلوا الشىء نفسه ضد اليهود ولكن فى حالة اليهود فقد أجبروهم على المغادرة طالما لم يتحولوا إلى الكاثوليكية دون أبنائهم وبناتهم ممن لم يبلغوا ١٤ عاما لتنشئتهم على الكاثوليكية، ومن هنا فقد استقبلتهم الدولة العثمانية.
ونكمل فى المقال القادم وكل عام وأنتم بخير.

أستاذ مساعد العلاقات الدولية بجامعة دنفر

 

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر