بيت خارج المكان والزمان - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 6:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


بيت خارج المكان والزمان

نشر فى : الأربعاء 11 أغسطس 2021 - 7:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 أغسطس 2021 - 7:55 م

يصف ابن الكاتب الكبير جابرييل جارسيا مركيز تحول والده الحاصل على جائزة نوبل للأدب، يصف تحوله من أشهر قاصٍ فى العالم إلى أب متقدم فى العمر يعانى من الخرف وفقدان الذاكرة. يصف الابن بداية الحالة حين شعر الكاتب بالتغيير وكيف كان يطلب ممن حوله أن يساعدوه بالتمسك بذاكرته ويقول بأنه لا يستطيع العمل دونها، فكان كثير الغضب بسبب وعيه بأن ثمة تغييرا يُحد من قدراته ثم بدأ يهدأ حين تقدم به الخرف واستسلم له عقله فأصبح كالطفل الصغير يعتمد تماما على من حوله، حتى إنه طلب فى آخر أيامه أن يعود إلى بيته حيث يعيش والده.
•••
أتخيل شخصا بوزن مركيز الثقافى وهو سجين ذاكرته المتآكلة، تغلق بوابات رأسه جدرانه عليه وتدخل يدان تبدآن بمحو معالم أساسية من حياته كمن يقرر سحب أعمدة الأساس الواحد تلو الآخر من مبنى عريق. وقد يبقى المبنى واقفا بعض الوقت حتى ينهار مرة واحدة بعد حين. لم يبق من المبنى المنهار سوى حجر الأساس: بيت عائلة الكاتب ووالده أى طفولته.
•••
سمعت مرة سيدة تكرر سؤال «يما (أى أمى) القدس من هان؟ (أى هل هذا هو الطريق إلى القدس؟)». فهمت بعد دقائق أنها فقدت ذاكرتها بعد حياة كاملة من اللجوء فهى طردت وعائلتها من بيتها فى القدس منذ أكثر من سبعين سنة. كانت تكرر السؤال وكأنه تعويذة من على كرسيها المتحرك الذى كان يدفعه شاب يبدو أنه حفيدها.
•••
لا أعرف الكثير عن فقدان الذاكرة والخرف لكنى كغيرى ربما استخدمت عبارة «خرفان» فى وصف شخص يحكى قصصا خارج أى سياق منطقى، وها أنا اليوم أفهم أن الخرفان تخلى عن كل ما هو غير أساسى فى المبنى وعاد إلى الأصل، إلى حجر وحيد قامت عليه حياة أو حتى حيوات كاملة. ها هو الكاتب الكبير يقشر طبقات من الجلد والقصص والأحداث ويطلب أن يعود إلى حضن العائلة. وها هى سيدة عاشت سبعة عقود بنت فيها أسرة ورزقت بأولاد وأحفاد، ها هى تطلب بيتا ربما لعبت فى ظل أشجاره يوما وعاد الآن ليظهر فى ذاكرتها المتآكلة إلا من الأساس: بيت العائلة.
•••
بيت العائلة بيت خارج المكان والزمان. بيت العائلة مفهوم أكثر مما هو ملموس. بيت العائلة هو أيام الدراسة فى الشتاء وكعكة للاحتفال بعيد ميلاد أحد الأبناء فى الصيف. بيت العائلة هو رائحة الثوم فى الطبخ وصوت الراديو فى المطبخ. هو مكان صنع الذكريات وحفظها كمن يحفظ الفاكهة فى السكر لتدوم والزيتون فى الملح ليبقى عاما كاملا فى أوان مرصوصة على الرف. بيت العائلة هو أم تردد إرشادات بعينها كل يوم وكأنها أسطوانة مشروخة حتى إن باقى أفراد العائلة يتبادلون سرا النكات حولها.
•••
أعود إلى بيت العائلة حتى وأنا ما زلت بكامل قواى العقلية. فعلى عكس حالة الكاتب الكبير جابرييل جارسيا مركيز أنا أعود إلى بعد ظهر حار أتمدد فيه على سريرى وأتجنب الحركة بحثا عن نسمة هواء قد ترطب المكان من حولى. هذا موسم المشمش فى عز الصيف وها هى رائحة السكر المعقود على النار تداعب أنفى من حيث تقف أمى أو ربما جدتى فى المطبخ تصنعان المربى فى طقس دمشقى موسمى بامتياز.
•••
وقد أعود إلى البيت فى مساء خريفى أجلس فيه على مكتب فى غرفتى أحاول أن أحل مسألة معقدة فى مادة الفيزياء وأقرر أن ميولى أدبية وليست علمية رغم إصرار والدى أن أحقق علامات تامة فى الرياضيات. هناك على ضوء آخر أشعة الشمس وقت الغروب أغلق كراسة الفيزياء لأعلن أننى غير مهتمة بأسرارها بقدر اهتمامى بأسرار الكلمات فهى تبوح لى بقصص دون حتى أن أسأل.
•••
ترقص الأحرف فى رأسى وتشكل حكايات ثم تفترق وتعود لتتعانق فتحكى قصصا جديدة. يمسك حرف الواو بكلمتين فترتبطان، ثم يختفى حرف الواو فتفترقان. تتحول الحروف فى رأسى إلى أغان رافقتنى فى مراهقتى فأرى الأغنية كما عشت إيقاعها حين كانت تصلنى من راديو من شرفة بيت مجاور. «بتونس بيك» تصبح حروفا ترقص أمامى بألوان مختلفة وأنا أجلس فى ليلة صيفية شديدة الحرارة فى حديقة البيت، يزعجنى الناموس لكنى أريد أن أكمل الأغنية وأنا أتمايل وحدى من حيث أجلس.
•••
بيت العائلة تركيبة ذهنية فيها خليط لا مثيل له من الدفء والضجر والحب والغضب وسوء التفاهم والألفة التى تغطى على الاختلاف وتجبر على التسامح. تركيبة فيها موسيقى وحكايات ووجوه لا أتذكر أصحابها لكنهم يجلسون مع أمى فى البيت يحتسون القهوة. فى بيت العائلة تناقضات أظن أنه من الأفضل التصالح معها، على الأقل بالنسبة لى، فأنا أعرف أننى سأعود إليه يوم يخف عقلى وتتلاشى ذاكرتى. يومها سوف أسأل كما سمعت السيدة العجوز تقول «عالشام من هون؟».
كاتبة سورية

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات