بناء سياسى جديد - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 8:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

بناء سياسى جديد

نشر فى : الأحد 12 يوليه 2015 - 11:45 ص | آخر تحديث : الأحد 12 يوليه 2015 - 11:45 ص

يجب ألا نتحايل على.. أو نخجل من هزائمنا السياسية، فالتيارات المنعوتة بالديموقراطية ومنذ مارس ٢٠١١ منيت بخسائر فادحة بعد انتصار مؤقت عقب النجاح فى الإطاحة بمبارك وحل مجلسى الشعب والشورى ومن قبلهما الحزب الوطنى. خسرت التيارات الديموقراطية الجماهير المصرية وعجزت عن مخاطبة احتياجاتها وتوقعاتها. ثم خسرت كل معارك التغيير الأخرى، معركة هيكلة جهاز الداخلية والقضاء، ثم من بعدها معارك العدالة الانتقالية والاجتماعية، ثم خسائر أخرى كبيرة لقيمة الصندوق ومبدأ التعددية والرقابة والشفافية والمحاسبة وغيرها من أدوات وقيم الديموقراطية.

نحن الآن فى مرحلة أسوأ بكثير من المرحلة التى كنا نقف عندها قبل ١٠ سنوات، حيث تراجع عدد المؤمنين بالتغيير، وحدث تلاعب بالوعى العام للمصريين بأيدى عدد كبير من نفس النخب التى تقدمت الصفوف منذ ٢٠٠٥ وحتى قيام الثورة فى ٢٠١١. أعلم أن المصارحة بالهزيمة صعبة على النفوس، لكننى سئمت من تلك الأصوات التى تصمم على ارضاء جماهيرها بالحديث عن العدل الذى سيسود قريبا والثورة التى ستنتصر. صحيح أنى أؤمن أن لحظات التغيير قادمة لا محالة، ولكن تقديرى أنها لن تكون فى طريق التحول الديموقراطى ما لم يتم بناء تيار ديموقراطى حقيقى يملك أدوات التغيير والضغط، وهذا التيار يحتاج إلى بناء جديد، وهذا الأخير يحتاج بدوره إلى جهد وتفكير ونشاط مختلف عن الجهد المبذول منذ ٢٠١١ وحتى الآن.

***

لم تقم ثورة يناير إلا لأن بناء سياسى جديد ومختلف عن ذلك البناء الذى ساد الثمانينيات والتسعينيات بدأ فى التأسس منذ ٢٠٠٤ وتمثل بالأساس فى حركات احتجاجية متعددة تمكنت من التشبيك ومن استخدام أدوات التواصل الجديدة التى وفرتها التكنولوجية الحديثة اشتبكت مع مزيج من قضايا اجتماعية وسياسية وتمكنت من تحقيق حراك تدريجى تفجر بعد سنوات قليلة فى وجه السلطة الحاكمة آنذاك. ومن هنا وحتى نتأكد أن لحظة تغيير جديدة قادمة ستكون فى طريق الديموقراطية وليس فى طريق المزيد من التأميم السياسى والقمع والتنكيل كما هو الوضع الآن، فلابد من البدء فى بناء سياسى جديد بفكر وفلسفة وخطاب مختلف عن ذلك البناء المتهالك القائم الآن والذى مازال يغوص فى وردية أحلام الثورة وتحول فيه بعض الثوار بفعل الضغوط أو السذاجة أو عدم المسئولية أو خليط من كل ذلك إلى شلة ندب متواصل تجامل بعضها البعض بمقالات أو تدوينات حالمة ومثالية.

هذا البناء يجب أن يبدأ أولا بعملية محاسبة ذاتية لمجمل الأداء السياسى للتيارات الديموقراطية والثورية منذ ٢٠١١ وحتى الآن. عملية نقد ذاتى بعيدة عن الرومانسية الحالمة والحنجورية الفارغة لا لتذكر اللحظات المجيدة للثورة، ولكن لوضع اليد على مفاصل التطورات السياسية منذ تنحية مبارك وحتى الآن لمعرفة أين كمنت الأخطاء ومحاولة التعلم منها وتصحيحها ولو بعد حين. الأطراف المنوط بها القيام بهذه المراجعة هى الأطراف التى مازالت تؤمن بالثورة وقيمها وفى مقدمتها العدالة والديموقراطية والتى لم يجرفها التيار حتى الآن ناحية قطبى الصراع الطاحن فى مصر.

هذا البناء يلزمه فلسفة جديدة تجمع بين الحراك الاجتماعى والبناء المؤسسى. ففى رأيى المتواضع، فإن هزيمة الثورات العربية ولاسيما المصرية أكدت أنه وكما أن الحركات الاجتماعية لازمة لإحداث لحظة انفجار فى النظم السلطوية القائمة، فإنه يجب إعادة الاعتبار للمؤسسات باعتبارها الوحيدة القادرة على هزيمة الثورات أو الانتصار لها، وتظل فى التحليل الأخير هى وحدها القادرة على إقامة بناء سياسى جديد. ومن هنا فكما هو مهم أن ننخرط فى مبادرات وحركات احتجاجية، فإنه وبنفس القدر من الأهمية يجب أن ننخرط فى بنى مؤسسية حزبية أو سياسية، ومن هنا فالإصرار على عدم قطع الصلة بمؤسسات الدولة ورجالها مهما كان حجم الخلاف السياسى أو الفكرى أو حتى الأخلاقى معهم، وعدم الانسحاب التام من اللعبة السياسية الحالية مهما كان حجم تحيزها أو عدم عدلها هو ضرورة لكل المؤمنين بالتغيير لتعلم خبرات العمل التنظمى والمؤسساتى واستراتيجياته.

***

هذا البناء يلزمه أوجه جديدة بعيدا عن نجوم الثورة التقليدين، أفكار شابة ومتطورة ومعاصرة تتمتع بالمسئولية وتتجاوز تلك الاستقطابات والصراعات البالية بين النخب القديمة الكهلة التى احترقت صورها وأفكارها وخطبها ولم يعد من المجدى إعادة إحيائها مرة أخرى أو الإصرار على الدفع بها إلى حلبة السياسة مجددا. آن الأوان ليصمت نجوم الثورة قليلا وكذلك شيوخ النخب التقليدية ويتنحوا جانبا لصالح الأجيال الأصغر وغير ذلك أنانية مفرطة. ولو لم يستجيبوا وييادروا بهذا التنحى فعلى الأجيال الأصغر أخذ زمام المبادرة وتنحيتهم جانبا، فكفى ما أضاعوه من فرص خلال السنوات الأخيرة.

هذا البناء يلزمه خطاب سياسى واجتماعى مختلف تماما عن ذلك الخطاب السائد منذ ٢٠١١ وحتى الآن، خطاب يضع نصب عينه جماهير الشعب التى تحولت عن الثورة والثوار والتغيير والديموقراطية..إلخ. خطاب يبسط لغته ويخفف سجعه ويخاطب أولويات الناس بهدوء وبدون تعالٍ. خطاب لا ينصب نفسه حكما أخلاقيا على الجميع، يعى المتغيرات الإقليمية والمحلية، لا يحدث الناس عن الخير الذى سينتصر وعن العدل الذى سيسود وعن وعد الله الذى اقترب، ولكنه يقول للناس ولأنصاره فى المقام الأول كيف وفى ظل ميزان القوة الحالية يمكن تغيير المعادلة؟

هذا البناء يلزمه الاهتمام بالسياسات الصغرى كما الكبرى، فكما أن الصراع حول قانون الانتخابات ودستورية قانون التظاهر وملف حقوق المعتقلين والمختفين قسريا والحرب على الإرهاب مهما، فإن الدخول فى صراعات حول ملف التعليم بشقيه العالى والأساسى، والمحليات وسياسات الصحة والمعاشات والبنية التحتية، فضلا عن قضايا مجتمعية هامة كقضايا التحرش والمواطنة يظل هاما آيضا لتغير قواعد اللعبة السياسية والتقارب أكثر مع الجماهير بعيدا عن قضايا الاستقطاب التقليدية التى استنزفت الجميع ومازالت.

هذا البناء يلزمه استراتيجيات جديدة للتواصل مع الجماهير وتقليل فرص بطش السلطة واستغلال أى مساحة متاحة للحركة ولو يسيرة. ولعل أهم الاستراتيجيات الجديدة هو أن تلعب التيارات الديموقراطية مزيدا من السياسة بالانخراط فيما هو قائم بالفعل فى محاولة لتغييره وتقليل الحديث عن الماينبغيات وخاصة لو لم يصحبها تصور عن كيفية تحقيقها على أرض الواقع. يلزمه أفكار وأطروحات جديدة لكيفية مواجهة القوى الرجعية المحافظة فى المجتمع لتفكيك خطابها وعناصر قوتها تدريجيا لتحرير السياق العام المختطف بواسطة شبكة علاقات عنكبوتية نسجتها هذه القوى على مدى عقود ولا يمكن تفكيكها إلا بالصبر والعمل المتواصل بلا كلل أو ملل.

هذا البناء يلزمه مرجعية جديدة متصالحة مع ثقافة المجتمع المحلية ومحدداته سعيا وراء فتح نقاش مجتمعى يزيل الخطوط الحمراء بشكل تدريجى بعيدا عن أسلوب الصدمات والوقوع فى فخ الاغتراب الكامل عن المجتمع وأولوياته، وهو الخطأ الفادح الذى مكن ومازال كل القوى التقليدية المحافظة من السيطرة على عقول الناس وسحبها نحو مزيد من الرجعية والتشدد ومعاداة تيارات التغيير والإصلاح والثورة.

هذا البناء يلزمه أخيرا كسب أنصار جدد من الطلاب وأساتذة الجامعات والمثقفين والعمال والفلاحين والموظفين والتكنوقراط والفنانيين ورجال الأعمال، فبدون هؤلاء الأنصار سيظل هذا التيار محدود التأثير والقوة وغير قادر على الضغط المجتمعى أو السياسى لتغير قواعد اللعبة السياسية لصالحه. فالاكتفاء بمجموعات محدودة من الأنصار والعيش على خطاب المظلوميات وعدم استوحاش طريق الحق لقلة سالكيه لم يعد مفيدا أبدا لكسب معركة طويلة ومؤلمة ومنهكة للتغيير، ربما وفر دعما معنويا للمنهكين والمهزومين ولكنه دعم مؤقت يجب أن يتبعه استفاقه تتغلب على المظلوميات وتبحث دوما عن كسب حلفاء جدد.

***

هذه ليست دعوة لليأس أو للتسليم بالأمر الواقع أو للانقلاب على مطالب الديموقراطية والثورة والتغيير، ولكنها دعوة للاستفاقة من حالة الشجن والحزن والمظلومية التى أصبحنا نعيشها ونعانى منها. هى دعوى لكسر حالة الشللية الثورية التى أضحت تغلف كل أحاديثنا وصراعاتنا. هى دعوى لتغيير الخطاب والإدراك القائم لمعطيات الواقع، هى دعوى للمسئولية بعيدا عن المراهقات والتفاهات وسياسة إرضاء الزبائن وشلل الأصدقاء. القادم أصعب وأكثر ضغطا وقمعا، ولكن لحظات التغيير فى مصر لن تتوقف. فالسؤال ليس هل ستأتى لحظة تغيير وتحول فى المشهد الحالى أم لا؟، ولكن السؤال، هل سنبقى متفرجين على هذه اللحظات فى انتظار عدالة السماء، بينما يتقاسمها أطراف الصراع التقليديين كما جرت العادة أم يكون لنا دور فيها؟

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر