رحيل عاشق الكاميرا - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 20 يناير 2020 10:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

رحيل عاشق الكاميرا

نشر فى : الخميس 12 ديسمبر 2019 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 12 ديسمبر 2019 - 7:45 م

أمّر غير عابئة مساء الاثنين الماضي على تويتر لأعرف أخبار الدنيا، عادة لا أتفاعل كثيرا على تويتر فهو يبدو لي كاستاد ضخم جداً جمهوره عبارة عن بشر من مختلف البلدان، أعرف بعضهم ولا أعرف الأغلبية وأنا أحب الحميمية في العلاقات. عشرات التويتات من كل شكّل ولون: تفاقم ظاهرة الانتحار حول العالم.. نقد مسلسل ممالك النار.. مصرع قيادي في تيار الصدر، كلام.. كلام.. كلام، صراع بين الأفكار تُستخدَم فيه كل الأسلحة ويباح فيه الضرب تحت الحزام، لذلك أُحب تويتر لكن أخشاه. أقرأ وأمر وأتجاوز ثم أتسمر: رحيل المخرج الكبير سمير سيف بأزمة قلبية مفاجئة، مَن هذا الذي رحل بالضبط؟ سمير سيف؟ معقول؟ لا لا.. إنهم يتنبأون.. يتعجلون.. يكذبون، بالأمس القريب أماتوا شاعر العراق العظيم مظفر النواب وإذا هو يعيش. لكن.. ها هي صور سمير سيف تتواتر في تويتة بعد أخرى، صورته ضاحكاً، ملوحاً، شارداً، شاحباً، منفرداً، مجتمعاً.. الخبر إذن صحيح، وسمير سيف قد غيّر محل إقامته بشكل نهائي من خلف الكاميرا إلي أمامها، أبكاني رحيلك يا رجل.
***
تعرفت على فن سمير سيف مثل معظم الناس في ثمانينيات القرن الماضي، أما تعرفي عليه كإنسان فعمره نحو عشر سنوات وربما حتى خمسة عشر عاما. بدأ الأمر عندما حادثته بوساطة من صديق عمره وأستاذي الدكتور أحمد يوسف لأسأله كيف يمكن أن يساعد ابني المتيّم بحب السينما على إشباع هوايته فبدا لي شديد اللطف، بالغ التواضع، قادرًا على إذابة الجليد من أول آلو. حدد موعداً لابني وهو المخرج الكبير الذي يتصدر اسمه أفيشات الأفلام ويعمل معه أشهر النجوم، وعندما اعتذرت له عن الميعاد لم يغضب وجدّد استعداده للقاء ابني حين تتاح الظروف، حشّمني أدبه كما يقول أهلنا في المغرب العربي. طوينا صفحة المقابلة التي لم تتم أبدا لكننا صرنا نتبادل التهاني في الأعياد. في عيد القيامة الأخير كتبت له "كل سنة واحنا بنشوف الدنيا من عين الكاميرا بتاعتك" ورد مجاملاً "دائماً لتهنئتك عبقها الخاص"، وهكذا تكونت له في نفسي منزلة. لم أقابله شخصيًا إلا عدد أصابع اليد الواحدة لكن خبر رحيله نزل عليّ كالصاعقة. يتصور كثيرون أن المشاعر تلزمها صلة قرابة أو علاقة جيرة لتتفجر وتعبر عن نفسها، وفي الواقع فإن المشاعر لا تحتاج إلى شهادة بيانات ولا شأن لها بقواعد النسب وحقوق الميراث، المشاعر هي المشاعر، نقطة ومن أول السطر. زمان قال كارل ماركس إن الرأسمالية تحمل في طياتها بذور فنائها، وأنا أطور عبارته فأقول إن المشاعر تحمل في طياتها مبررات جيشانها. لم تثبت مقولة ماركس حتى اليوم ولعلها تثبت غدا أو بعد غد أما مقولتي فثبتت من زمان وانتهى الأمر، فبالتأكيد ليس كل من بكوا عبد الحليم حافظ أو سعاد حسني أو عاطف الطيب أو نجيب محفوظ قد التقوا بهم أو حتى كانوا يعرفونهم، لكنهم أحبوهم عن بعد وشعروا بونس كبير في وجودهم، وسمير سيف كان واحداً ممن يؤتنس بوجودهم.
***
من دون سابق إنذار غافلنا المخرج الكبير وذهب، ألقى غيابه حجرًا كبيرًا في بحيرة أحزاننا وكان قاعها من الأصل لا تنقصه الأحجار، لكن حزناً على الأرض لم يواز حزن شبرا وأهلها. نشأ سمير سيف في حي شبرا فتعلم بمدارسها وتسكع في شوارعها وذاق نكهتها وعاش. شبرا شأنها شأن الإسكندرية لها تأثير طاغ على أبنائها، كلاهما يلقم أبناءه السماحة واللين والتفتح والإبداع.. الإبداع. أعيدوا معي قراءة رواية شبرا لنعيم صبري ورواية لا أحد ينام في الإسكندرية لإبراهيم عبد المجيد لنقف معًا على جانب من هذا التأثير البديع للمكان على أبنائه، فكل إبداع مصدره التنوع. هل أثرت شبرا على وعي أبنائها بقيمة المكان فكتب جمال حمدان عن عبقرية المكان ونعي إبراهيم ناجي غربته عن كعبة حبيبته التي كان بين طائفيها؟ لم لا.. كثير من المواهب تفتح وعيها على شبرا وبفعل شبرا، وفي مجال الإخراج نفسه لم يكن سمير سيف هو وحده عاشق الكاميرا فلقد سبقه هنري بركات وعاصره خيري بشارة.
***
متشرباً رونق الحي ومستوحياً روحه أبدع لنا سمير سيف أفلام المشبوه والراقصة والسياسي ودائرة الانتقام والغول فأضاف أبعادا جديدة لأعمالنا السينمائية وأثار قضايا الفساد والتربح والانتهازية السياسية في عصر الانفتاح سداح مداح. المشبوه بالذات كان موجعاً جدًا وواقعياً جداً ورسالته أن التوبة ليست حقا مطلقاً لأحد، فالدولة والمجتمع والأهل قد يكون لهم رأي آخر. أما هذا المشهد من الفيلم الذي فاجأ فيه الزوج ماهر زوجته فاطمة أو بطة، بينما هي تغسل ثيابها ولا تدري أنه غادر السجن، فإذا بها تراه أمامها فترتبك وتخجل وتمسح يديها في جلبابها وتعاتبه في دلال قائلة "مش كنت قلت علشان أعمل حسابي"، هذا المشهد بثوانيه المعدودات يستحق وحده في تقديري جائزة أوسكار ففيه تجتمع عبقريات كثيرة.
***
أقرأ في رثاء سمير سيف تنويعات مختلفة على معنى أنه غاب بجسده لكن أعماله ستظل خالدة من بعده، يا الله! أما من رثاء مختلف لشخص مختلف؟ خلود الأشياء ميزة جماعية لموجودات كثيرة قد لا يكون فيها إبداع بالمرة، فهذه الطريق خالدة وهذا المسمار خالد وهؤلاء الدمى أيضا خالدة. الآن سأمسك بالقلم لأكتب رثائي الخاص ورثائي له قصير: طبت يا سمير وطاب مرقدك فكم بفنك طابت ليالينا.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات