مصر التى يريدون - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 5:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


مصر التى يريدون

نشر فى : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

وسط مشاهد الإصرار الشعبى على رفض الاستبداد، ودماء الشهداء التى سالت من اجل هذا الهدف الثورى النبيل وجدت نفسى مشدوداً إلى عدد من المشاهد المرعبة التى تنذر بشر مستطير ومستقبل مظلم لو أن القوى التى تقف من خلفها تمكنت من الانفراد بحكم مصر. أما المشهد الأول فهو الحشود الإخوانية أمام دار القضاء العالى التى يقع فيها مكتب النائب العام قبيل الإعلان المسمى بالدستورى. رددت الحشود هتافات تنال من السلطة القضائية عامة (الشعب يريد تطهير القضاء) وتختص النائب العام السابق بتحقير شأنه وتتوعده بسوء المنقلب (قلنا لك روح الفاتيكان بكره تروح على اللومان) لم أكن أعلم أن القادم أسوأ بكثير ولذلك أصابنى انزعاج شديد. هذه حشود تنتمى لجماعة يفترض أنها حصلت على أكبر عدد من المقاعد بين المتنافسين فى الانتخابات التشريعية، وفاز مرشحها فى انتخابات الرئاسة بما يعنى أنها الأقرب بين القوى السياسية لحكم مصر، ومع ذلك هى تسعى بعزم لا يلين إلى هدم السلطة القضائية القائمة لعلها تنجح فى تكوين جديد لهذه السلطة يكون تابعاً لها. غير أن ثمة معنى آخر يعزز الانزعاج الشديد، إذ أن تسلسل الأحداث يشير إلى أن الإخوان كانوا يعلمون بفحوى «إعلان الاستبداد» قبل صدوره، ويبدو هذا مفهوماً لأنهم «جماعة الرئيس»، لكن غير المقبول أن يُسيِّروا حشودهم لحماية الإعلان تحسباً لأى معارضة محتملة وكأنهم باتوا دولة داخل الدولة بما يقترب بجماهيرهم من وضع «الميليشيات» الحزبية.

 

●●●

فى المشهد الثانى يتجه أنصارهم لاحقاً إلى القصر الرئاسى لتأييد الرئيس فيما أصدر من قرارات. يخرج الرئيس إليهم ويخطب فيهم مشيراً ضمن أشياء أخرى إلى تسريب المحكمة الدستورية أحكامها بخصوص مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور (ترد المحكمة لاحقاً بالمطالبة بأدلة تثبت هذا الاتهام)، ويستمر الرئيس فى ذكر معلومات بلا أدلة عن مؤامرات تُحاك ضده تتطلب جميعها إجراءً قانونياً لو أن هذه الأدلة توفرت (لاحظ أن الاتهام المرسل للمحكمة الدستورية كان واحداً من مبررات إصدار «إعلان الاستبداد»). لكن هذا كله على أهميته لا يمثل أخطر ما فى المشهد. ففى اليوم المحدد لانعقاد المحكمة الدستورية لإصدار حكمها فى قضيتى مجلس الشورى والجمعية التأسيسية تحدياً «لإعلان الاستبداد» تزحف الحشود الإخوانية لحصار المحكمة وتمنع قضاتها من الدخول مما يؤدى إلى تعليق المحكمة جلساتها. والمؤسف والمحزن أن واحداً ممن يفترض أن لهم وزناً فى المجتمع قد ذكر أن بيان المحكمة بشأن منع قضاتها من دخول المحكمة ومن ثم تعليق جلساتها بيان كاذب وكرر ذلك أكثر من مرة، وعندما يرد عليه نائب رئيس المحكمة بأن القضاة الثلاثة الذين دخلوا المحكمة دخل أحدهم من مدخل جانبى وادعى الثانى أنه محامٍ وتعرض الثالث لوابل من السباب البذىء أثناء دخوله. هكذا إذن تعامل الجماعة المرشحة لحكم مصر نخبة من خيرة قضاتها، وحتى بافتراض أن دخول مقر المحكمة كان ممكناً هل يليق أن يتعرض قضاتها للإهانة والسباب؟ وهل يعقل أن يطالب واحد من شعاراتهم رئيس الجمهورية بأن يعطيهم الإشارة «وإحنا نجيبهم لك فى شيكارة». أيكون التعامل مع خيرة قضاة مصر بهذه الألفاظ المتدنية؟ وماذا كانت هذه الحشود لتفعل إذن لو كانت المحكمة قد أصدرت حكماً بحل مجلس الشورى؟ قال الكثيرون إن ما حدث يمثل أحلك أيام القضاء فى مصر، وأضيف إنه عمل دنىء غير مسبوق فى تاريخ الوطن.

 

●●●

 

أما المشهد الثالث فقد هاجمت فيه حشود الإخوان معتصمى قصر الاتحادية المعارضين «لإعلان الاستبداد» على حين غرة. كان قد سبق للإخوان أن ألغوا «مليونية» فى ميدان التحرير حيث تعتصم قوى ثورية رافضة للإعلان ونظموها لاحقاً فى ميدان «نهضة مصر»، وحُمد ساعتها لهم هذا القرار الذى جنب الوطن مذبحة مروعة نتيجة الصدام الحتمى المتوقع بين الطرفين المتضادين، لكن ارتفاع وتيرة المعارضة لقرارات الرئيس وامتدادها إلى معظم محافظات مصر، يبدو أنهما أثرا على «العصب الحساس» للإخوان، مما دفعهم إلى تغيير تكتيكاتهم باتجاه العنف فى التعامل مع المعارضين، فكانت مذبحة الاتحادية بعد هجوم حشود الإخوان على المعارضين للرئيس فى محيط القصر الرئاسى. اتهم الإخوان خصومهم بارتكاب كل ما فعلوه هم، وحاولوا «تأميم» شهداء المذبحة مدعين أن جميعهم ينتمى إلى الأخوان، لكن الصور ولقطات الفيديو وشهود العيان تكشف المستور إن كان مستوراً: تحطيم خيام المعتصمين المعارضين لمرسى بِغِلٍ مخيف الاعتداء بالضرب ــــ بما فى ذلك الضرب بالأحذية ــــ على المعتصمين المعارضين حتى سالت دماؤهم (فليعد للدين مجده أو تُراق بيننا الدماء) ــــ منع الأطباء من إقامة مستشفيات ميدانية لعلاج المصابين ــــ اغتصاب دور الشرطة بالقبض على الخصوم واستجوابهم وتعذيبهم والاحتفاظ بهم أسرى إلى حين اتخاذ قرار بشأنهم (كان نائب حزب الحرية والعدالة قد دعا «الشعب» للنزول والقبض على ممثلى الثورة المضادة). والسؤل لرئيس الجمهورية أين أنت من حماية «أبنائك» المعتصمين الذين أبديت سعادة فائقة بموقفهم باعتباره دليلاً على ما تنعم به مصر من ديمقراطية؟ وهل توافق على أن يقوم المنتمون لجماعتك بدور الميليشيات فى الحروب الأهلية؟ وهل يكون هذا أسلوب حكمك فتصدر ما تشاء من قرارات ثم تحميها بالميلشيات بدعوى الشرعية الثورية؟

 

●●●

 

يبقى أن المشهد الرابع والأخير أقل المشاهد عنفاً، لكن دلالته لا تقل خطورة. يذهب أنصار حازم أبو إسماعيل إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لحصارها والتحكم فيمن يدخل إليها، وذلك اتساقاً مع اتهام الإعلام وبالذات الفضائى بالكذب والتضليل (لا يذكر أحد فضائيات السباب والبذاءة باسم الدين)، ويعلن أبو إسماعيل أنهم سيحيون كراماً ولو فقدوا مليون شهيد (إلى هذا الحد؟). ويمتد بوعيده إلى معتصمى الاتحادية من المعارضين: سنفض اعتصامهم بالقوة (مرة ثانية؟) ولن تعود القصور الرئاسية ساحة للتظاهر بعد اليوم، ويحذر الإعلاميين ويعطى لهم فرصة أخيرة كى يتراجعوا عن اشتراكهم فى المؤامرة ضد الثورة (ماذا بعد يا ترى إن لم يرضخ الإعلاميون لتهديده؟). وهكذا يحاولون قبر حرية الإعلام بعد «تأميم» القضاء لصالح الحاكم الفرد. لا يقتصر الأمر على الحريات الإعلامية وحدها لكن نائب المرشد يحدثنا عن رصد الجماعة مكالمات لرجال أعمال تابعين لمبارك يديرون تنظيماً للبلطجة، وهى ليست الواقعة الأولى للتنصت على المكالمات (لنذكر حديث نائب حزب الحرية والعدالة عن تسجيل مكالمات النائب العام السابق أثناء المحاولة الأولى الفاشلة للإطاحة به) فمن يعطى جماعة الإخوان الحق فى التنصت على مكالمات الآخرين؟ وهل تكتمل بذلك أركان «الدولة الموازية»: يد تبطش، وعين ترصد، وأذن تتنصت؟

 

●●●

 

تقدم المشاهد الأربعة صورة مخيفة لمستقبل مصر إن انفرد الإخوان وحلفاؤهم بحكمها. فالسلطة التنفيذية (والتشريعية فى الوقت نفسه) تصدر قرارات تعصف بالقانون والقضاء عصفاً، والميليشيات جاهزة للدفاع عن هذه القرارات بوسيلة أو أخرى، وحرية الإعلام المعارض فى مصر فى خطر حقيقى، والحريات الشخصية باتت بدورها مهددة، فكيف التحسب لكل هذه المخاطر ومواجهتها؟ سؤال ينبغى أن يُستنفر الجميع للإجابة عليه لأنه دون جدال سؤال المستقبل.

 

 

 

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومدير معهد البحوث والدراسات العربية

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية