ستموت في العشرين - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 7 مارس 2021 1:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

ستموت في العشرين

نشر فى : الخميس 14 يناير 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : الخميس 14 يناير 2021 - 7:54 م

قبل أن أشاهد فيلم "ستموت في العشرين" على نيتفليكس كنت قد قرأت عنه نقداً إيجابياً كثيراً باعتباره فيلماً سودانياً قوياً للمخرج الشاب أمجد أبو العلا، وتعزز هذا التقدير للفيلم بحصده عدداً من الجوائز العالمية المهمة. ما سبق لا ينفي أن الفيلم تعرض لهجوم شديد ممن اعتبروا فيه اجتراءً على "الثوابت"، لكن هذا هو حال كل صاحب رأي مختلف بشكل عام، وبشكل خاص فإن أمجد أبو العلا أعاد إحياء صناعة السينما السودانية المتوقفة من سنين طويلة، ويا لها من جريرة!. بهذه الخلفية جلست أشاهد الفيلم على مدار ساعة ونصف، وفِي البداية كانت هناك صعوبة في متابعة اللهجة السودانية لكن مع تطور الأحداث تأقلمت، وخرجت بحصيلة لغوية محببة فعرفت مثلاً أن "داير أبويا" تعني "عاوز أبويا".
***
الرسالة المباشرة للفيلم هي كيف أن الدجل قد يسيطر على الناس إلى حد يتمكن منهم تماما ويلغي عقولهم فلا يعودوا يفكرون. تدور قصة الفيلم في قرية سودانية بسيطة تمر بها كغيرها من القرى قافلة للدراويش يترأسها الشيخ عبد القادر أو الخليفة كما كان يقال له، ويعّد هذا المرور مناسبة احتفالية كبيرة يتجمع فيها أهل القرية ويحاولون الحصول على البركة من الشيخ. وهكذا حملت سكينة وليدها مزّمل إلى الشيخ عبد القادر لمباركته بينما كان أحد الدراويش يدور حول نفسه مردداً سبحان الله ١، سبحان الله ٢، ٣، ٤... وعندما يصل إلى سبحان الله ٢٠ يسقط على الأرض وهذا معناه أن الطفل مزّمل لن يمتد به العمر لما بعد عشرين عاماً. يتكهرب الجو وينخلع قلب الأم، أما الشيخ نفسه الذي لم يستطع أن يداري انزعاجه فقد راح يكرر "الفال من الله وكل شيء مغدور- يقصد مقدور"، "أمر الله نافذ يا بنتي". تشبعت سكينة حتى الثمالة بهذا الفأل الذي نُسب كذباً إلى الله، وراحت تعد الأيام التي مضت من عمر ابنها وهو مازال حي يرزق، تحضر حفلات الزار وتطلب الشفاعة لعل وعسى تتغير النبوءة ويعيش مزّمل ويحمل الدراويش لابنها بشارة النجاة، وفِي الوقت نفسه تفعل كل شيء استعداداً لموت ابنها عند بلوغه سن العشرين. لم تلبس أبداً إلا السواد حتى لامتها جارتها قائلة "لابسة اسود وابنك حسه في الدنيا؟"، وتخيط الكفن لابنها مع قرب بلوغه سن العشرين وهذا مشهد مذهل وموجع جداً.. أي أنامل تلك التي تطاوع الأم لتجهز كفن ابنها؟ شيء فظيع، أكثر من ذلك تذهب الأم لاختيار قبر ابنها وتجادل زوجها فيختار له قبراً وتختار هي له آخر بجوار والدها. أُغلقَ قفصي الصدري على قلبي تماماً فما عاد له من فكاك. بلغت سطوة النبوءة حداً خدّر مشاعر الأمومة عند سكينة فإذا هي تستعد ليوم يبلغ فيه ابنها نهايته المحتومة، وهذا حِمل لم ينهض به إلا إبراهيم أبو الأنبياء عندما أمره الله بذبح ابنه اسماعيل فامتثل طائعا، حاشا لله أن تستوي نبوءة الدرويش وكلام رب العالمين. لكن هكذا هو الجهل أقوى من العقل والمنطق وأقوى حتى من الدين نفسه وإن ظن نفسه يتمثل الدين أو حاول ادعاء ذلك.
***
لكن من جهة أخرى طرح علينا الفيلم السؤال التالي: كيف يتصرف الإنسان إن هو علم بتاريخ موته؟ وهذا السؤال ليس سؤالاً جديداً فهناك العديد من الأفلام المصرية التي تنبأ فيها الأطباء بموت مرضاهم بعد أعوام أو حتى شهور (فيلم موعد مع الحياة لفاتن حمامة وحكاية حب لعبد الحليم حافظ وغيرهما كثير)، وعادة ما كانت هذه النبوءة تتسبب في تضحية البطل بحبه حتى لا يظلم معه حبيبته. أما فيلم "ستموت في العشرين" فقد تعامل بشكل أنضج مع هذا السؤال، ومع أنه جعل مزّمل يضحي هو الآخر بحبه للفتاة الشقية نعيمة لنفس السبب، إلا أنه اهتم أكثر بتحليل الصراع المحتدم داخل نفس مزمّل ما بين رغبته في الالتزام الديني التام حتى يمر عمره بسرعة ويفوز بنعيم الجنة من جهة، ورغبته في أن يستمتع بحياته القصيرة مثله في ذلك مثل كل الشباب في عمره من جهة أخرى، وصوّر لنا الفيلم على امتداده تأرجح سلوك مزمّل فيما بين النقيضين. في النصف الأول من الفيلم انغلق مزّمل على نفسه وانكب على حفظ القرآن ولا شيء غير ذلك، لم يلتحق بالتعليم إذ "شو الفايدة مادام العمر قصير؟"، لم يتحرك للدفاع عن نفسه ضد تنمر أهل القرية صغاراً وكباراً وهم يسخرون منه وينادونه بـ "وِلد موت" فلقد كان يعتقد فعلاً أنه "وِلد موت"، لم يلعب ولم يسبح في النيل حتى لا يموت (والحقيقة لم أفهم كيف يؤمن إيماناً أعمى أنه سيموت في العشرين ويخشى في الوقت نفسه أن يموت قبل العشرين)، ومهموم بمعرفة ما إذا كان عمره العشريني مخصوماً منه ٩ شهور هي فترة حمل أمه فيه أم لا. أما في النصف الثاني من الفيلم فقد تعرف مزّمل على المصوّر سليمان ذلك الكهل المتفتح الذي عاش حياته بالطول والعرض، سافر، وأحب، واستمتع وصوّر الناس في شوارع الخرطوم وأوروبا، وسار على مثَل احييني النهارده وموتني بكره أو كما ذكر هو "لو حد قال لي حاتموت بعد عشرين سنة أقولهم سيبوني أعيش ملك... وعند عشرين سنة أطلع لهم لساني". كان لابد أن يصطدم سليمان بمزّمل فالأول متمرد والثاني منصاع، الأول يفكر والثاني يتّبع، وفِي النهاية ينتصر العقل على الخرافة ويتغير مزّمل فيتعلم الحساب (واختيار الحساب بالذات مقصود كرمز للعقل).. لا بل هو يذهب إلى أبعد مما كان يُتصور لنجد أنفسنا أمام مفاجأة كبيرة.. يغتصب مزمّل حبيبة سليمان بعد وفاته، يفعل ذلك في اليوم الأخير له على وجه الأرض وفق حساب أمه سكينة، لكنه في الحقيقة لم يكن هو يومه الأخير، فلقد أتم عشرين عاماً ولم يمت، وانتهى الفيلم ومزمّل يركض بعيداً عن القرية بخزعبلاتها وحفلات زارها ودراويشها المغيبين فيتحرر منها ومنهم أجمعين.
***
لقد اقتضت الحبكة الدرامية للفيلم المبالغة في تصوير التناقض بين شخصّيتي مزمّل وسليمان لتوضيح حدة الصراع الدائر داخل نفس مزمّل، وهذا مفهوم، فَلَو أن التناقض كان بين الخرافة والعقل لكان الصراع على محور واحد فقط رغم أن هذه هي رسالة الفيلم الأساسية، أما الصراع بين الموت والحياة وبين الطهرانية الكاملة والانفلات التام بالإضافة للصراع بين الخرافة والعقل فهو صراع مركّب وشديد التعقيد يوضح حجم المعاناة النفسية لمزمّل. إن من يدرك أن التضاد بين الأشياء يوضحها أكثر سيفهم المعالجة الدرامية لفيلم "ستموت في العشرين" على هذا النحو ويعقل أن هذه ليست دعوة للرذيلة على حساب الفضيلة بل للتمرد على التقاليد البالية، أما من يتعامل مع الأعمال الدرامية بمنطق الحلال والحرام فسوف ينتقد الفيلم لأنه يروج لنموذج المثقف الذي يعاقر الخمر ويصادق النساء. لقد أحببت فيلم "ستموت في العشرين" لكنه أوجعني.. أوجعني حتى جاء مشهد الختام فتخيلت أنني أركض مع مزمّل وهو يترك الموت من ورائه في قريته الصغيرة، فتحية كبيرة لمخرج الفيلم وممثليه البارعين.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات