الأمل في غزة - سيد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 28 فبراير 2024 1:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الأمل في غزة

نشر فى : الثلاثاء 14 نوفمبر 2023 - 6:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 نوفمبر 2023 - 6:25 م

لا أعرف متى قرأت للمرة الأولى تعبير (التحديق فى الموت) لكنى أتوقف أمامه كثيرا هذه الايام، فالموت يتدفق مثل نهر بلا سد، ولا تتوقف الشاشات عن بث صور للموتى والعالم نفسه أصبح زنزانة بملايين الجدران، صار الكل أسرى للمصالح، ولدوائر لا تنتهى من الشبكات التى تضيق الخناق ولا تسمح بحرية الحركة. لم يعد لدينا سوى الصراخ بعد أن فقدنا حتى القدرة على التظاهر والهتاف الذى كان حيلة العاجز، صرنا مثل الطيور التى تحدث عنها أمل دنقل فى قصيدته الرائعة (الطيور) يقول أمل (والطيور التى أقعدتْها مخالطة الناس، /مرتْ طمأنينة العيش فوق مناسرها../فانتختْ، وبأعينها.. فارتختْ، وارتضتْ أن تقأقئ حول الطعام المتاحْ، ما الذى يتبقى لها.. غير سكينة الذبح، غير انتظار النهاية.
إن اليد الآدمية.. واهبة القمح /تعرف كيف تسن السلاح (الطيور.. الطيور/ تحتوى الأرض جثمانها.. فى السقوط الأخيرْ!/ والطيور التى لا تطيرْ.. طوت الريش، واستسلمتْ. هل ترى علمتْ أن عمر الجناح قصير.. قصيرْ؟! الجناح حياة والجناح ردى. والجناح نجاة. والجناح.. سدى!)
***
استسلمنا تماما ولم يعد أمامنا سوى اليأس، اليأس الذى كنا نكرهه لسهولته كما يقول الشاعر السورى الكبير منذر مصرى. لا نفعل أى شىء سوى التحديق فى الموت، انعدم الفعل ولم يعد هناك ما يكفى لفعل أى شىء آخر، وصار سلاحنا الوحيد الحديث مع غائبين. نحن أسرى لهذا الغياب، ضحايا مثاليين لموت الأمل، فالقيم التى تعلمنا أن نحيا من أجلها لا قيمة لها فى مواجهة البطش والقوة الغاشمة.
لا نقدر تماما على تسمية ما يجرى فى غزة، وابتكار الوصف، ضاقت الألفاظ وانتحرت المعانى لكننا فى حيلة العاجز.
ينظر العربى البائس إلى ما يراه، فيشعر بالخذلان ولا شىء آخر. فى الماضى الذى صار بعيدا الآن، كنا نتمسك بمقولة يعلنها زعيم أو يكتبها مثقف له وزن فى العالم، نعممها كعناوين لحضورنا، أو كدليل على قوة الأمل كنا نفعل ما كان يقوله محمود درويش على سبيل الدعم (نفعل ما يفعل العاطلون عن العمل، نربى الأمل) تأتى مشاهد الموت والتهجير لتكشف العجز وقلة الحيلة وفساد البضاعة التى كنا نبيعها ثم يأتى الفلسطينى بما استطاع حمله من الوطن والتاريخ ليبصق فى كل الوجوه، لا يفرق فى فعله الصامد بين العربى وغير العربى لان قائمة المتخاذلين تطول ولا تستثنى أحدا.
***
لا أحد يدعو إلى الحرب أو يتمناها، لكن ما نطالب به هو الأمان. تقلصت الآمال، وانعدم اليقين، أعلم أن الأمن هو السلعة الأغلى فى العالم لأنه مطلب الجميع وجاءت الأحداث لتؤكد ذلك، ننظر فى عناوين الأخبار ولا نجد سوى الموت، نعيش الحرب العالمية بكل التفاصيل، لكننا نخجل من إعلان حضورها لأن فى هذا الإعلان هزيمة للحضارة التى بشرتنا بها الرأسمالية المتوحشة.
انظر معى إلى الفاعليات العالمية التى كانت تقوم على مبدأ المساواة والتعددية ومبدأ الحوار وتأمل فيها لتجد جميع صور الإقصاء والاستبعاد، وما جرى بعد الحرب الروسية الاوكرانية هو دليل ثم جاءت حرب غزة لتقدم ادلة أخرى على كذب فكرة المساواة فى الانسانية. تريد المركزية الغربية أن تفصل الواقع وفق معاييرها ولم؟ لا، فقد صاغت التاريخ كله وفق منظورها ورؤيتها، قررت من هو التابع، ومن الذى لابد وان يبقى فى الهامش ومن ينبغى ان يدفع ثمن تفوقها واستمرار طغيانها.
درست التاريخ وتأملته، وعشت عمرى دون أن أؤمن بنظرية المؤامرة وبقيت مدافعا عن فكرة الصراع وحق المنتصر فى فرض شروطه، لكن ما أراه اليوم لا يمكن تفسيره إلا بالمؤامرة التى تستهدف الأمل أكثر من أى شىء آخر، لان شروط المنتصر اختلفت ولم تعد ترغب الا فى الاذعان والقيم العالمية التى كانت تقوم على التحضر وتنتصر للتقدم اصبحت تهزم فى كل دقيقة، تشيع جنازتها على الشاشات كما لم يعد الفلاسفة والمفكرون والساسة سوى مشيعين لا يملكون إلا اناشيد العديد وبضاعة انتهت صلاحيتها إلى الابد.
لكن الأمل يبقى فى غزة التى اصبح صمود أهلها بمثابة اعلان هزيمة للحضارة التى سحرتنا بأوهامها كلها.