خواطر شيرين أبو عاقلة - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 6 يوليه 2022 8:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

خواطر شيرين أبو عاقلة

نشر فى : الأحد 15 مايو 2022 - 9:25 م | آخر تحديث : الأحد 15 مايو 2022 - 9:25 م
«فى بعض الغياب حضور أكبر».
هكذا كتبت الصحفية الفلسطينية «شيرين أبو عاقلة» فى حسابها الشخصى على الـ«فيسبوك» بلغة تقارب النثر السياسى، اقتصاد فى الصياغة وتكثيف فى المعنى.
لم يكن ممكنا بذلك اليوم (21) يوليو (2021) أن يجول بخاطرها أن تجربتها الإنسانية والمهنية فى الحضور والغياب، الحياة والموت، سوف تلخص ذلك المعنى بحمولات مشاعر ومعان ورموز يصعب القفز عليها بالتجاهل، أو نسيانها بالتقادم.
«لا تقولوا استشهد، قولوا أعدم بعد أن سقط على الأرض».
كانت تلك إشارة بليغة أخرى كتبتها فى (4) ديسمبر (2021).
أرادت أن تدين وحشية القاتل قبل أن تمتدح بطولة الضحية.
بدت فيما كتبت كمن ينظر فى مرآة الزمن لما قد يحدث لها بعد وقت قصير، فقد سقطت أرضا بالاغتيال، أعدمت بالمعنى الحرفى للكلمة فى جريمة متكاملة الأركان، سقطت بجوار جدار شبه مهدم فى جنين وهى تقاوم بالوسيلة الوحيدة التى تعرفها، أن تكون صوت شعبها، تنقل معاناته ومآسيه، تتعاطف مع قضيته بمشاعرها، لكنها تنقل الحقيقة كما هى، والحقيقة تنتصر دائما للضحية.
لم تر نفسها فى موضع «الشهيدة»، ولا بالغت فى أدوارها، هى مراسلة صحفية وكفى.
ببصيرة إنسانية استبقت قتلها بوصفه إنه: «الإعدام».
فى مشهد الاغتيال أمام الكاميرات كانت البطلة والضحية، الشاهدة والشهيدة.
لم تعمل بالسياسة ولا انضمت إلى فصيل، لكنها تماهت مع معاناة الضحايا والمعتقلين كصديقتها «خالدة جرار»، القيادية فى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التى ماتت ابنتها دون أن تودعها، فقد كانت رهن الاعتقال.
عندما اغتيلت حدث ما لم يخطر على بالها يوما، توحدت المشاعر الفلسطينية فى لحظة إجماع نادرة، كأنها ابنة كل بيت.
لم تكن أول صحفى أو صحفية تقتل فى ميدان العمل أثناء تأدية الواجب المهنى، فقد قتل أكثر من أربعين صحفيا فلسطينيا منذ مطلع القرن الحالى، غير أن مقتلها أمام الكاميرات بالطريقة التى جرت بها وصوتها الذى يشبه أهل فلسطين فى حزنه أكسبها رمزية خاصة وتعاطفا غير مسبوق وإدانات واسعة شاركت فيها دول غربية كبرى عهد عنها دائما الدفاع عن إسرائيل تحت كل الظروف.
الإدانات تواترت من كافة أنحاء العالم، شاركت فيه المنظمات الحقوقية والصحفية الدولية والأمم المتحدة ووزارات الخارجية بلا استثناء تقريبا متوحدة حول طلب العدالة لـ«شيرين» والقصاص من قاتليها.
لم يحدث ذلك من قبل منذ النكبة الفلسطينية (1948)، التى تمر عليها اليوم (74) عاما.
باليقين فإن الجنسية الأمريكية وعلاقاتها المهنية الممتدة إلى مراكز صنع القرار فى واشنطن أحرجت إدارة «جو بايدن»، التى أخذت تحت الضغوط تصعد من موقفها إلى حدود غير معتادة لكن تحت سقف حماية إسرائيل ومنع مساءلتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.
كانت دقيقة الصمت وقوفا على روحها فى مجلس النواب الأمريكى مشهدا فريدا فى قصة القضية الفلسطينية.
المشهد نفسه تكرر فى مواقع أخرى مشابهة، وفى الأمم المتحدة نفسها.
إنها قدسية حرية الصحافة التى مثلتها «شيرين» بصورة لم يكن ممكنا التشويش عليها.
الإدانات المتواترة أحكمت المأزق الأخلاقى الإسرائيلى، وتبدت أمام العالم بشاعة الاحتلال.
إننا أمام تحول فى النظر الدولى للضحية الفلسطينية، إن لم يكن مكتملا اليوم، فسوف يأخذ مداه غدا.
بالقوة الوحشية المفرطة منعت إسرائيل أن يمر نعشها محمولا على الأكتاف فى البلدة القديمة، أو أن يرفع عشرات الآلاف العلم الفلسطينى فى شوارع القدس.
ارتكبت أثناء الجنازة أمام العالم فظائع مخجلة دون اكتراث بالفضائح السياسية والأخلاقية التى لطخت صورتها.
لماذا؟.. هذا هو السؤال.
هى تدرك أن المشهد برسائله ينزع أى أوهام عن أن القدس تخصها وحدها، وأنها عاصمتها الموحدة والأبدية.
مع ذلك فقد نقلت الصحف الدولية أن القدس فى يوم الجنازة بدت مدينة عربية.
هذا هو الجوهر السياسى لما جرى فى جنازة «شيرين».
بسقم فى الوجدان وجهالة فى الرأى أفتت بعض الأصوات الشاردة عن كل معنى، أو قيمة إنسانية وأخلاقية ودينية، بعدم جواز الترحم عليها، أو نعتها بـ«الشهيدة»، على خلفية انتسابها إلى الديانة المسيحية.
كان للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، رأى آخر.
وصفت بـ«الشهيدة» و«صوت فلسطين».
فى جنازتها المهيبة التى لم تشهد الأراضى المحتلة مثيلا لها من قبل دوت أجراس كنائس الطوائف المسيحية معا لأول مرة منذ مئات السنين فى أرجاء القدس وأجريت صلاة الغائب على روحها.
دوت فى جنازتها هتافات: «من القدس إلى جنين الله يرحمك يا شيرين»، «بالروح بالدم نفديك يا شهيد»، «الله أكبر» و«لا إله إلا الله» دون نظر إلى هويتها الدينية، فالدين لله وفلسطين لأبنائها.
الفتاوى الجهولة لا تستحق التوقف عندها كثيرا، فالدم الفلسطينى يوحد، الموت العادى عند الحواجز يوحد، الفصل العنصرى يوحد، والتنوع الدينى فيه إضافة كبيرة لأكثر القضايا عدلا فى التاريخ الإنسانى المعاصر.
«معظم الفلسطينيين المسيحيين لا يسمح لهم بدخول كنيسة القيامة» ــ (23) أبريل (2002).. و«هناك جيل من الفلسطينيين لم يدخل القدس ولم يرها فى حياته» ــ (29) أبريل.
هكذا كتبت من موقع المعاناة، وهى تدرك أن القضية واحدة وأن التفرقة بحسب الانتماء الدينى تجهيل بالحقائق الأساسية فى المدينة المقدسة حيث يتجاور المسجد الأقصى وكنيسة القيامة بما يكسبها رمزيتها وشخصيتها ووحدتها.
غطت بشجاعة وحماس دفاع المقدسيين عن المسجد الأقصى، حتى يكاد يخيل إليك أنها ليست مسيحية، لم يكن أحد يعرف ديانتها قبل إعلان وفاتها، ولا كانت هويتها الدينية تعنى شيئا، فهى صحفية فلسطينية، مهنيتها تشهد لها ونزاهتها أكسبتها محبة الفلسطينيين العاديين.
«توفيت والدة الأسير كريم يونس بعد أن أمضت 39 عاما تنتظر عودته»ــ (5) مايو.
لم تكن تبحث عن بطولة بقدر ما أرادت أن تنتمى لقضية شعبها بمهنتها وحدها، صادقت وتعرفت من موقع عملها على المعاناة اليومية للأسرى الفلسطينيين، دخلت كل بيت وصاحبت كل أم إلى حيث يعتقل ابنها، ودعت أثناء مطاردة الأسرى الهاربين من سجن «جلبوع» شديد الحراسة إلى التحمل والصبر و«أن تكون الروح المعنوية مرتفعة».
المعنى الإنسانى يطل عليك وأنت تنظر فيما سجلته من إشارات ومواقف على صفحتها الشخصية.
فى إشارة لافتة كتبت (5) فبراير فى أجواء ترقب تسود العالم بأسره لما قد تسفر عنه محاولات إنقاذ الطفل المغربى «ريان»، الذى سقط فى بئر بعمق (32) مترا لخمسة أيام: «اللافت فى قضية ريان، إنه جلب اهتمام العالم والإعلام إلى قضية إنسانية بحتة، بعيدا عن الحروب والأزمات التى تهز عالمنا، عاد إلينا شعور افتقدناه أن حياة الإنسان مهمة».
كانت تلك التفاتة إنسانية غير مباشرة إلى قضيتها وناسها، أن «حياة الفلسطينيين مهمة» ومعاناتهم تحت الاحتلال غير عادلة وغير إنسانية.
«حتى بناء مدرسة صغيرة توجب أن يقوم بها الفلسطينيون فى الليل خوفا من هدمها» ــ (21) يناير.
بروح جسورة علقت على صورة التقطت لها جالسة على كرسى فى عرض الشارع أثناء حوادث «الشيخ جراح»، فى مدينة القدس التى تنتمى إليها: «قاعدين لهم» ــ (14) فبراير.
بقدر أدوارها المهنية والإنسانية تأكدت مكانتها لحظة الغياب بالاغتيال.
«موجع الغياب عن الوطن، اسألوا من أجبر عليه قبل 74 عاما» ــ 4 مارس.
لم تكن تدرى أنها سوف تكون قد غابت إلى الأبد فى نفس الشهر الذى نكبت فيه بلادها وشرد مئات آلاف الفلسطينيين فى المنافى البعيدة دون أن تغادر روحها المكان الذى أحبته وأحبها.