السلطان قابوس والسياسة الخارجية «المتزنة» - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2020 3:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

السلطان قابوس والسياسة الخارجية «المتزنة»

نشر فى : الخميس 16 يناير 2020 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 16 يناير 2020 - 10:00 م
فى خطابه الأول بعد توليه منصب السلطان، أعلن سلطان عمان الجديد جلالة السلطان طارق بن هيثم أنه سيسير على نهج السياسة الخارجية الذى أرساه جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وهو الأمر الذى يستدعى بالضرورة الاهتمام مجددا بتحليل مقومات السياسة الخارجية «المتزنة» التى رسخها واتبعها سلطان عمان الراحل. واختيار تعبير «المتزنة» هنا تم عن قصد وليس اعتباطا، كما أنه ليس ثمة أى تخبط بين تعبير «الاتزان» وتعبير «التوازن»، ففى واقع الأمر فإن «الاتزان» يمثل ما هو أعم وأشمل من «التوازن» الذى عادة ما يقتصر على اعتبار التوازن تجاه أطراف خارجية وفاعلين آخرين، سواء كانوا دوليين أو إقليميين.
ويمكن من منظور التحليل التاريخى تقسيم نسق السياسات الخارجية التى تبناها السلطان الراحل قابوس بن سلطان إلى مرحلتين تاريخيتين فرعيتين، الأولى تمتد ما بين توليه العرش فى نهايات عام 1970 وحتى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، والثانية امتدت ما بين مطلع تسعينيات القرن المنصرم وحتى رحيل السلطان قابوس بن سعيد عن عالمنا منذ أيام قليلة.
أما المرحلة الأولى فهى تلك التى دارت فى أول عقدين من حكم السلطان الراحل قابوس ما بين توليه العرش فى عام 1970 وانتهاء الحرب الباردة على الصعيد العالمى فى عامى 1990 /1991. ويمكن أن نصف تلك المرحلة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية بأنها كانت مرحلة المرور بالتجارب والاستفادة منها واستنباط الدروس التى تنتج عن تلك السياسات واستيعاب الانعكاسات والتأثيرات وردود الأفعال التى تفرزها تلك السياسات.
ويتعين هنا أن ندرك عددا من الاعتبارات الموضوعية والذاتية التى ساهمت فى تشكيل تلك المرحلة الأولى ويمكن أن نصفها بالدوافع المرتبطة بتلك السياسات الخارجية التى تم تبنيها آنذاك، وكذلك ارتباطها العضوى والوثيق بالنهج الخاص بالمرور بالتجارب فى سياق بلورة وصياغة السياسات الخارجية للبلاد.
فى مقدمة الاعتبارات الموضوعية خلال تلك المرحلة، كانت أجواء الحرب الباردة المتقدة فى ذلك الوقت بين المعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقى بقيادة الاتحاد السوفيتى السابق، وهى حرب لم تسلم منها سلطنة عمان، حيث إن الحرب التى دارت فى إقليم «ظفار» التابع للسلطنة لم تكن على الإطلاق منقطعة الصلة بأجواء الحرب الباردة، بل كانت شديدة الصلة بها، بل يمكن القول بأنها كانت فى جانب منها، وفى تصاعد وتداعى فعالياتها ثم فى ما انتهت إليه، أحد إفرازات تلك الحرب الباردة وتندرج ضمن نتائجها المنطقية. كذلك شهدت البيئات الإقليمية المحيطة بالسلطنة، خاصة الجوار الخليجى من جهة والعربى من جهة أخرى، خلال هذين العقدين أنماطا مكثفة من التفاعلات، بما فى ذلك الأزمات والصراعات والحروب، والتى لم تخل بدورها أيضا من ارتباط بأجواء الحرب الباردة.
وعلى الجانب الآخر، فيقع فى مقدمة الاعتبارات الذاتية التى حكمت النهج الذى اتبع فى السياسات الخارجية لسلطنة عمان فى العقدين الأولين لحكم سلطان عمان الراحل قابوس بن سلطان، حقيقة أن السلطان تولى الحكم وهو فى مرحلة مبكرة من العمر، وتحديدا وهو دون الثلاثين من عمره، وكان من الطبيعى بالنسبة له فى المرحلة الأولى من حكمه المرور بمرحلة التعلم من التجارب فيما يتعلق بالتعامل مع العالم من حوله ومع الدوائر المختلفة التى تنتمى إليها السلطنة، ما بين خليجية وعربية وإسلامية وبلدان مطلة على المحيط الهندى وغير ذلك من دوائر.
وإذا انتقلنا إلى ما نعتبره مرحلة الاتزان والحنكة فى السياسة الخارجية العمانية، وهى العقود الثلاثة الأخيرة من حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد، فإنها عكست تراكم استيعاب الدروس المستفادة من سياسات العقدين السابقين وتداعيات تلك السياسات وما أفضت إليه. فعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة، أحسنت السلطنة التعامل مع معطيات عالم ما بعد الحرب الباردة، وكذلك مع الإشكاليات والأزمات والتحديات، بل والحروب، التى حدثت فى البيئات الإقليمية وشبه الإقليمية المحيطة بسلطنة عمان خلال تلك العقود الثلاثة الأخيرة.
فخلال العقود الثلاثة الماضية نجحت السلطنة فى إبقاء «الجسور المفتوحة» مع جميع الفرقاء فى مختلف الصراعات والأزمات، بل والحروب، المحيطة بها، وساعدها ذلك بدرجة كبيرة على لعب دور الوساطة، أو على الأقل عرض القيام بهذا الدور، إزاء العديد والعديد من أزمات الدوائر التى تنتمى إليها عمان، وصار ذلك ممكنا، بل وبدا طبيعيا ومتوقعا فى العديد من الأحوال، على خلفية واقع أن العلاقات الودية غلب طابعها على علاقات السلطنة مع مختلف البلدان، سواء داخل أقاليم انتمائها أو على صعيد المشهد العالمى ككل. كذلك مكنت سياسة «الجسور المفتوحة» تلك السلطنة من لعب دور متعاظم وفعال، وكذلك نشيط ومؤثر، على صعيد المنظمات الدولية والإقليمية وشبه الإقليمية التى تتمتع السلطنة بعضويتها.
وعلى مدى نفس تلك الفترة، قامت السلطنة بتوظيف العديد من جوانب وأبعاد وأنشطة سياساتها الخارجية بما يخدم احتياجات ومتطلبات الداخل العمانى، على تنوع مستويات تلك الاحتياجات للمجتمع العمانى، ما بين ما هو اقتصادى وتجارى، بالإضافة إلى ما هو تكنولوجى ومعرفى وتقنى، وكذلك ما هو علمى وتعليمى وتدريبى، وأيضا ما هو ثقافى وفنى ورياضى، وأخيرا وليس آخرا ما من شأنه أن يدعم سياسات السلطنة المتبعة لتمكين المرأة والشباب ورعاية الطفولة وأصحاب القدرات الخاصة.
وهكذا عرضنا فيما سبق لمحاولة جادة لبلورة رؤية موضوعية وتحليلية تغوص فى الأبعاد التاريخية، بقدر ما تسمح به المساحة المتاحة هنا، للتعرف على خصوصية السياسات الخارجية التى اتبعتها سلطنة عمان فى عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد وعلى مدى ما يقرب من خمسة عقود من حكمه للسلطنة.
وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات