التاء المربوطة - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 12:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

التاء المربوطة

نشر فى : الأحد 16 فبراير 2014 - 9:05 ص | آخر تحديث : الأحد 16 فبراير 2014 - 9:05 ص

حالة من التأهب والتشفى والزهو والسخرية والتأفف.. تلمح مزيجا منها جميعا فى عينى من نَصَب نفسه مسئولا عن صف السيارات فى موقع ما من مواقع المدينة، مهما صغر حجمه.. يشعر أنه تُوج على هذا الرصيف أو تلك «الخرابة» أو الفسحة المهجورة، ما يعطيه سلطة وسلطانا.. خاصة إذا ما كانت من تصف العربة امرأة.. الإحساس بالزعامة والتفوق يزيد، وقد يظهر فى ابتسامة استعلاء متهكمة صغيرة.. خاصة إذا ما لم يحالفها النجاح من المرة الأولى، وهنا قد ينضم إليه بعض المعاونين فجأة الذين يظهرون عادة من حيث لا تدرى، ليعطوك انطباعا بأهمية دورهم.. وفى بعض الأحيان يتطوع أحدهم لحشر السيارة بين مركبتين فى مكان غير مناسب، ويحاول إثبات مواهبه فيرتطم بأحد الأجسام الصلبة المتاحة، وتكون النتيجة تدمير جزء من عربة السيدة، دون داعٍ أو منطق.. فقط لمجرد أنها استسلمت لفكرة استعلاء ذكورى استحوذت على أحد الموجودين فى المكان بمحض المصادفة، وهو غالبا لا يجيد القيادة أكثر منها، لكن يتوهم ذلك لمجرد أنها أنثى.. وفى مرات أخرى، وللسبب نفسه، يأتى امتعاض قائدى المركبات الرجال خلال السير فى الطريق العام على هيئة صياح متكرر وتنديد باليوم الأسود الذى نزلت فيه السيدات إلى الشارع، مع حركات يدين من عينة «اغربى عن وجهى يا امرأة!!».. والسبب واضح: الست لا تجيد القيادة، أو هذا ما ترسخ فى ذهنه، وبالتالى هو لا يطيق الانتظار، ولا يغفر لها الأخطاء المرورية التى قد يتغاضى عنها إذا كان السائق رجلا، بل ويتربص بها أحيانا.

•••

كون أول سيدة مصرية قد حصلت على رخصة قيادة ــ وهى الآنسة عباسية أحمد فرغلى ــ فى العام 1920 لم يغير من الواقع شيئا.. ابنة شارع الرصافة بالإسكندرية وشقيقة ملك القطن فى مصر محمد باشا فرغلى حصلت على الرخصة رقم 217، وكان ذلك بعد حوالى عشرين سنة من استخراج أول سيدة فى العالم لرخصة قيادة، وهى الدوقة أوزيس (Uzès)، النسوية الفرنسية التى عرفت بحب الفنون والصيد والسيارات، عام 1898 (أى بعد خمس سنوات من تاريخ استصدار رخص القيادة بشكل عام)، كما حصدت الدوقة الفرنسية أيضا أول مخالفة لتجاوز السرعة وقتها، وظل الفرنسيون يطلقون النكات حول قيادة النساء للسيارات، وكيف أنها تتزين وتضع الماسكرا على رموشها بيد وتمسك بعجلة القيادة باليد الأخرى، إلى ما غير ذلك من صور نمطية عابرة للقارات، فى حين أن كل الدراسات التى أجرتها مؤخرا بعض شركات التأمين العالمية مثل «أكسا» أثبتت أن النساء أكثر حرصا خلال القيادة، ويتسببن فى حوادث طرق أقل بكثير من الرجال (هم مسئولون عن ثمانى حالات وفاة من كل عشرة ضحايا لحوادث الطرق فى فرنسا)، لكن النظرة الدونية للمرأة لا تعرف حدودا.. وتتفاقم أحيانا فى ظل بعض الثقافات، فيصبح نضالها من أجل القيادة، حقا غير مشروعا، كما هو الحال فى المملكة العربية السعودية، حيث تخوض النساء معركتهن وتلاحقهن الفتاوى العجيبة بهدف المنع لأسباب شرعية أو صحية.. مثلا خرج علينا الشيخ السعودى المعروف ــ صالح اللحيدان ــ قائلا: «القيادة قد تؤثر فسيولوجيا على المرأة، وبخاصة المبايض، وتؤثر على دفع الحوض إلى أعلى، لذلك نجد غالب اللاتى يقدن السيارات بشكل مستمر يأتين بأطفال مصابين بنوع من الخلل الاكلينيكى المتفاوت»! جاء هذا التصريح فى إطار تخصيص يوم السادس والعشرين من أكتوبر الماضى للتحدى، وتزعمت معركة السعوديات من أجل القيادة منذ مايو 2011، مستشارة برمجيات ثلاثينية من المملكة، تدعى منال الشريف.. دفعت ثمن الحركة غاليا، إذ أمضت تسعة أياما فى السجن وتعيش حاليا فى دبى.. أما السبع وأربعون سيدة اللاتى سبقنها إلى خوض معركة القيادة فى مطلع التسعينيات بتنظيم قافلة فى شوارع الرياض فكان مصيرهن أيضا التوقيف، ثم تسريح بعضهن من الوظائف.

يعرفن أنها البداية ولا يسعهن سوى الانتظار.

•••

لم تنزل المرأة إلى الشوارع فى مصر وتونس والبحرين وغيرها من دول الربيع العربى من فراغ، بل دفاعا عن ديمقراطية وحرية لن تتحققا إلا بها.. لكن للأسف الكثير من النساء يساهمن فى المظاهرات، ويساهمن أيضا فى تشكيل النظرة الدونية ومفاهيم الذكورة، ثم يشتكين.. هن من يربين أجيالا على تلك المفاهيم، وينتجن أبناء لا يحترمون النساء، بل يلاحقهونهم للتحرش بهن فى الشوارع من سن المراهقة.. بعدها تعانى النساء.. وتلجأ بعضهن لمبادرات مثل «ست الحيطة» للتعبير عن النفس من خلال رسومات الجرافيتى على الجدران، كما حدث مؤخرا ناحية شارع شريف بوسط القاهرة.. أو تظهر من وقت لآخر حملات لدعم المرأة مثل «من غير التاء المربوطة.. البلد مش مظبوطة» التى أطلقها الاتحاد النوعى العام لنساء مصر منذ عامين لتغيير الأفكار النمطية، ويلمع نجم بعض الناشطات، لكن تظل الأغلبية الأعم تحصد الدباديب الملونة فى الفالانتين، وتفرح باليوم العالمى للمرأة فى 8 مارس، ثم عيد الأم فى الحادى والعشرين من الشهر نفسه، دون أن تفرض احترامها.. تظل مكتفية بدور «عاشقة الورد» التى غنى لها حليم الرومى أو تلك التى أوصى محمود درويش بانتظارها فى القصيدة «ولا تتعجل، فإن أقبلت بعد موعدها، فانتظرها، وإن أقبلت قبل وعدها فانتظرها، ولا تجفل الطير فوق جدائلها، وانتظرها».. على أمل أن يتحول اسمه مجازا إلى «آية الله منتظرى» من فرط صبره، ويتعلم الاحترام خلال فترة الانتظار، ليتحررا معا.

التعليقات