إعادة تشكيل النظام الدولي - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 7:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

إعادة تشكيل النظام الدولي

نشر فى : السبت 16 يونيو 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 16 يونيو 2018 - 9:40 م

شهد الأسبوع الماضي حدثين سياسيين دوليين متتاليين على جانب كبير من الأهمية، ألا وهما انعقاد قمة الدول السبع المصنعة الكبرى في مقاطعة كيبك الكندية، والقمة الأمريكية الكورية الشمالية في سنغافورة. القمتان اختلفت موضوعاتهما اختلافاً كلياً، ولكن ثمة علاقة بينهما.

القمة الأولى سنوية منذ سنة 1975 يتباحث فيها رؤساء الدول أو الحكومات في الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا واليابان، ومعهم رئيسا المجلس الأوروبي ومفوضية الاتحاد الأوروبي، في شئون الاقتصاد العالمي وقد يتطرقون أيضا منذ عدد من السنوات لمسائل أخرى مثل الهجرة أو الأمن أو التعليم. في سنة 1997 وبعد نهاية الحرب الباردة وأخذها باقتصاد السوق انضمت روسيا إلى المجموعة التي صارت مجموعة الدول الثمان، غير أن عضوية روسيا فيها علّقت في سنة 2014 بعد ضمها لشبه جزيرة القرم. ليس القصد هنا استعراض النتائج الموضوعية المحددة للقمة فهي متاحة كمادة إخبارية، وإنما ما يهمنا هو حالة العلاقات بين أطرافها. القمة سبقها توتر بسبب الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على وارداتها من الصلب والألومينيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا، وهو الموضوع الذي تناولته هذه المساحة من "الشروق" منذ أسبوعين. استمر التوتر أثناء القمة، ثم تأكد بعد انفضاضها. على الرغم من التوتر توصل المجتمعون إلى إصدار بيان مشترك عن القمة. غير أن الرئيس الأمريكي الذي كان آخر من وصل إلى مكان انعقادها وغادرها إلى سنغافورة قبل نهايتها، سحب وهو في الجو موافقته على البيان معللاً ذلك بوصف رئيس الوزراء الكندي في مؤتمره الصحفي بعد انتهاء القمة الرسوم الأمريكية بالمهينة. لم يكتف الرئيس الأمريكي بذلك بل إنه هاجم رئيس الوزراء الكندي شخصياً واصفاً إياه بالضعيف وغير الشريف، وهو هجوم أضاف إليه واحد من مستشاريه اعتبر أن رئيس الوزراء الكندي "خان" الرئيس الأمريكي وهو متوجه للاجتماع بالرئيس الكوري الشمالي. العلاقة بين القمتين يؤكد عليها بوضوح الجانب الأمريكي. الأعضاء الأوروبيون بقوا موحدين وهاجمت المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي بشكل خاص موقف الرئيس الأمريكي ورسائله على شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر".

***

لبُّ الخلاف بين الرئيس الأمريكي وزملائه الأوربيين ينصب حول حرية التجارة، وهي المفترض أن تكون الأساس في الإنتاج والتبادل الذي يحقق الكفاءة لعمل النظام الرأسمالي. حرية التبادل التجاري القائم على أساس التخصص وتقسيم العمل الدولي هي جوهر ما دعت إليه الولايات المتحدة نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثم هي القلب من السياسات الاقتصادية التي تدفعها الولايات المتحدة منذ الثمانينيات من القرن الماضي في الدول المتقدمة والدول النامية معا، فيما سمي في الأخيرة بسياسات تحرير الاقتصاد وإعادة الهيكلة. الرئيس الأمريكي عن عمد أو بغيره يتجاهل النظرية المؤسسة للتجارة الدولية في النظام الرأسمالي في حالة كندا مثلاً. هو يأخذ عليها تحقيقها لفائض معتبر في ميزان التبادل السلعي مع الولايات المتحدة بلغ 17,5 مليار دولار في سنة 2017 ولكنه يتجاهل أن الولايات المتحدة حققت مع كندا فائضاً في تبادل الخدمات بلغ 25,9 مليار دولار في نفس السنة، وهو ما معناه أن الفائض في ميزان السلع والخدمات في صالح الولايات المتحدة بما يساوي 8,4 مليار دولار. ببساطة هذا معناه أن الولايات المتحدة أكثر كفاءة في إنتاج الخدمات في إطار علاقاتها بكندا، وأنه لا ينبغي أن يضيرها العجز في ميزان السلع، طالما كان مجمل ميزان السلع والخدمات في صالحها.
ازدراء الولايات المتحدة لحلفائها في أوروبا وكندا وموقفها من التجارة الدولية تعبيران لا تخطئهما عين عن إرهاصات لتغيرات في بنية النظام الدولي وفي قواعد عمله. يضاف إلى هذه الإرهاصات أن الرئيس الأمريكي دعا خلال قمة الدول السبع إلى عودة روسيا إلى المجموعة وهو ما أيده رئيس حكومة أقصى اليمين الشعبوية الإيطالية الجديدة، الذي خرج بذلك على موقف زملائه في الاتحاد الأوروبي. هذا تجلي آخر لتغير في بنية النظام الدولي تقترب بمقتضاه من بعضها البعض الأنظمة الشعبوية والسلطوية.

***
القمة الثانية انعقدت في سنغافورة بعد ما يقترب من العقود السبعة من العداء المستحكم بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة التي نشرت في شبه الجزيرة الكورية أسلحة نووية لردع الأولى وللدفاع عن حليفتيها كوريا الجنوبية واليابان حتى سحبت هذه الأسلحة في سنة 1991. منذ انتهاء الحرب الكورية بالهدنة المعلنة في سنة 1953، انعزلت كوريا الشمالية عن العالم وتزايدت هذه العزلة بانتهاء الحرب الباردة ثم اعتباراً من سنة 2005 بفرض مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم لعقوبات شديدة الصرامة عليها بسبب انتاجها لأسلحة نووية وإجرائها تجارب متكررة لها، وكذلك لإنتاجها وتجريبها لصواريخ تسياريه قابلة لحمل رؤوس نووية. أوجه الخلاف الأمريكية الكورية الشمالية متعددة ونقاط البدء في المحادثات بشأنها معروفة. الولايات المتحدة تريد أساساً نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، ثم تأتي بعد ذلك أهداف أخرى أبعد مدى بالنسبة إليها مثل فتح سوق كوريا الشمالية أمام الاقتصاد الأمريكي، أو أقل أهمية لها، أو للرئيس الأمريكي الحالي على الأقل، مثل تحسين حالة حقوق الإنسان في كوريا الشمالية. في المقابل، كوريا الشمالية تبغي فك عزلتها والحصار الاقتصادي المفروضين عليها. بالتوازي مع ذلك، تريد كوريا الشمالية، وتشاركها في ذلك كوريا الجنوبية، انفتاحاً متدرجاً في العلاقات بينهما قد يؤدي على المدى البعيد إلى إعادة توحيد كوريا.

بعد قمة سنغافورة خرج الرئيسان بشوشين، فأعلن الرئيس الأمريكي عن استعداده لبداية تاريخ جديد وصرح الرئيس الكوري بأنهما تركا الماضي وراءهما. البيان الصادر عن القمة هو عدد من التعهّدات. تعهد الرئيس الأمريكي بمنح ضمانات أمن لكوريا الشمالية، وأعلن البلدان عن تجميع جهودهما من أجل إقامة نظام سلام مستقر ودائم في شبه الجزيرة الكورية، وأعادت كوريا الشمالية التأكيد على تعهدها بالعمل من أجل النزع الكامل للسلاح النووي عن شبه الجزيرة، بالإضافة إلى تعهد البلدين باسترجاع أشلاء الأسرى والمفقودين في العمليات العدائية فيما بينهما. وتعهد البلدان كذلك في البيان بأن يجريا مفاوضات لمتابعة ما ورد فيه يقودها وزير الخارجية الأمريكية ونظير له عن الجانب الكوري. أما التصريح الهام الصادر عن الرئيس الأمريكي في المؤتمر الصحفي فهو تعهده بإنهاء المناورات العسكرية السنوية المشتركة الأمريكية الكورية الجنوبية التي اعتبرها مستفزة للغاية وأشار إلى أنها تكلف بلاده مبالغ طائلة. الجوهر الموضوعي في البيان هو التعهد بإنشاء نظام للسلام وللأمن في شبه الجزيرة الكورية وهو ما يرتبط به، وربما توقف عليه، وضع تعهد الرئيس الكوري الشمالي بالعمل على نزع السلاح النووي عن شبه الجزيرة موضع التنفيذ. منتقدو البيان أخذوا عليه أنه لم ينص على أن يكون نزع السلاح قابلاً للتحقق ولا رجعة فيه مشيرين إلى سوابق تنصل كوريا الشمالية من تعهداتها. واقع الأمر هو أن الولايات المتحدة في عهد رئيسها الحالي بالذات هي التي تنكث بما تعهدت به ووقعت عليه. أنظر إلى سحب الرئيس الأمريكي لموافقته على بيان قمة الدول السبع قبل أن يجف مداده، وتذكر انسحابه في الشهر الماضي من الاتفاق النووي مع إيران. يلاحظ أيضاً أنه لم يرد أي شيء في البيان أو في المؤتمر الصحفي عن رفع العقوبات عن كوريا الشمالية وفي المقابل ولا عن حالة حقوق الإنسان فيها.

النتائج الموضوعية للقمة ليست هائلة ولكن مجرد انعقادها تطور ذو دلالة. بعد الاعتراف بمكانتها بعقد هذه القمة التي كانت كوريا الشمالية تسعى إليها منذ عقود، فإن نظاما للسلام والأمن في شبه الجزيرة الكورية سيعني إدماج كوريا الشمالية في النظام الدولي الفرعي لشرقي آسيا إلى جانب كوريا الجنوبية والولايات المتحدة والصين واليابان وربما روسيا. هذا النظام وهذا الإدماج من شأنهما أن يكونا تغييرين عظيمي الأثر في بنية النظام الإقليمي والدولي وفي طرائق عمله.

***

ما هو موقفنا نحن من التغيرات قيد التشكل في النظام الدولي؟ النظام التجاري الدولي وبشكل عام يعمل لصالح الدول المتقدمة ولكن لا ينبغي لأحد أن يتصور أن تحرش الرئيس الأمريكي به هو لصالح الدول النامية. تحرش الرئيس الأمريكي نابع من اقتناع داخلي عميق لديه بأنه لا بدّ من إخضاع الآخرين تماماً لتفسيره هو للمصالح الأمريكية حتى يخرج بالنتيجة إلى يريدها، وبصرف النظر عن الاتفاقات المسبقة وقواعد التعامل في النظام الدولي. هذا الاقتناع من أخطر ما يكون على إدارة العلاقات الدولية وعلى احترام مصالح البلدان والشعوب المختلفة وحقوقها. لا مناص من أن يذكرنا هذا المنهج الذي يتبعه الرئيس الأمريكي في العلاقات التجارية بأنه هو المنهج نفسه الذي يريد تطبيقه في إقليمنا وعلى تسوية القضية الفلسطينية. هو منهج عدم الالتفات إلى القواعد والحقوق وفرض منطق القوة.

أما بشأن شبه الجزيرة الكورية، فإنه لا بدّ من الترحيب بالتوجه نحو السلام في أي مكان. ينبغي فقط أن نتحسب من أن يتخذ الرئيس الأمريكي أي تقدم يحرز في شرقي آسيا مبرراً إضافياً لممارسة منهج القوة في إقليم آخر، هو الشرق الأوسط، لفرض "التسوية" التي يريد للقضية الفلسطينية ولتنظيم العلاقات في الإقليم.

ليس نجاح الرئيس الأمريكي مؤكداً في القضيتين، ولكن بنية كل من النظام التجاري الدولي والتحالف الغربي والنظام الدولي الفرعي لشرقي آسيا قد ارتجّت ارتجاجاً شديداً يصعب بعده أن تعود إلى ما كانت عليه بدون أي تغيير.
ولا يفوتنا أن النظام الدولي كلٌ واحدٌ لا بدّ أن ننتبه إلى دقائق التحركات فيه وفي فروعه.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات