مرشحون هواة لمنصب يحتاج لمحترف - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


مرشحون هواة لمنصب يحتاج لمحترف

نشر فى : الخميس 17 مايو 2012 - 8:30 ص | آخر تحديث : الخميس 17 مايو 2012 - 8:30 ص

إن ما يحدث فى مصر هذه الأيام، كان أمرا أبعد من كل خيال، فلأول مرة فى التاريخ الذى يمتد إلى سبعة آلاف عام يتنافس ثلاثة عشر مرشحا على رئاسة جمهورية مصر، ولأول مرة فى الشرق الأوسط بل وفى العالم الإسلامى تقع مناظرة بين أقوى مرشحين للرئاسة، على الهواء مباشرة، أسوة بالعالم المتقدم، صحيح أن المناظرة لم تكن على المستوى المطلوب من الاحتراف سواء فى الإعداد أو التقديم أو حتى أداء المرشحين، لكنها خطوة رائعة إلى الأمام حيث أحس كل مصرى أنه من الأهمية بمكان حتى يتنافس على صوته هذا العدد من المرشحين، ويتنافس على رضاه قنوات أرضية وفضائية. إن مثل هذه الأمور تعيد الثقة للمواطن المصرى، حيث يشعر بقيمته ودوره بعد تهميش امتد لسنوات عديدة لذلك جلس معظم المصريين أمام شاشات التليفزيون سواء فى منازلهم أو فى المقاهى والنوادى وتابعوا المناظرة بشغف شديد واختلفوا فى تقييمها.

 

لكن ما لاحظته أن آراء الذين تابعوا المناظرة من الذين أعرفهم لم تختلف مواقفهم بعد المناظرة، وهذا ما كنت أتوقعه، لأن من طبيعة الإنسان المصرى أنه شخصانى أكثر منه موضوعى، أى يتعلق بالشخص أكثر من الموضوع وبالتالى فهو يشاهد المناظرة ليشجع مرشحه ويهتف له عندما يأخذ نقطة على منافسه، ويدافع عنه عندما يحس أنه لم يكن موفقا فى نقطة أخرى، وفى كل الحالات هو يدافع عن شخص ينتمى إليه أو إلى أفكاره أو يستريح له أو حتى لشكله وهذا ما يدعونا إلى القول إن غالبية الشعب المصرى يحتاج إلى ثقافة سياسية وتدريب على ممارسة هذه الثقافة وأن المرشحين والإعلام والشعب ما زالوا يحبون فى هذا المجال، فهى الممارسة الأولى لهم فى تاريخهم لذلك فكل الأخطاء مغفورة والتقييم مطلوب للتصحيح, والمطلوب ألا ينتهى دور الشعب باختيار الرئيس لكن أن يبدأ هذا الدور ويمتد لمتابعة أداء الرئيس والوزارة والبرلمان... إلخ

 

وإذا كنا رأينا أن أداء المرشحين قد أثبت أنهم على درجات متفاوتة هواة يلعبون دور محترفين، علينا أن نجيب عن السؤال: لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة؟!

 

 

 

أولاً: لم يقدم واحد منهم رؤية متكاملة لمستقبل مصر

 

 

من الملاحظ أن جميع البرامج المقدمة تقدم حلولا لمشاكل متراكمة فى الصحة والإسكان والتعليم كل على حدة، لكنها لا تقدم رؤيا متكاملة، فمعنى كلمة رؤيا هى ما يجب أن يكون عليه المستقبل، فالرؤيا ليست تنبؤ بالمستقبل ولا لمجرد أمنيات لكنها فن صناعة المستقبل، وصناعة المستقبل لمرشح رئاسة تعنى تصوره لمصر بعد أربع سنوات ثم بعد ثمانى سنوات وعندما يضع تصوره لمصر بعد أربع سنوات يكون هذا التصور قد بنى على معطيات عملية واضحة، فى كل مجال وكيفية تشابك المجالات معا لتعطى صورة متكاملة بخطوطها العريضة وتفاصيلها، أى الشكل النهائى لمصر بعد 4 سنوات ثم الشكل النهائى لها بعد ثمان سنوات فى حالة إعادة ترشحه، هذه الصورة أو التصور هى التى ستجعل الشعب يحس بجدية المرشح ويتأكد أنه سوف يحاسب الرئيس القادم على أساسها وبسهولة شديدة.

 

 

ثانيًا: ما زال الرؤساء السابقون يمثلون فى أذهان المرشحين

 

 

فعندما نتأمل فى أسلوب الحديث وطريقة الكلام والحركة نجد أن كل واحد من المرشحين يتمثل إما بعبدالناصر أو السادات أو حسنى مبارك، صحيح هو لا يقلده تقليدا أعمى بل هو لا يقصد أساسا أن يقلده لكنه بالطبع هو متأثر به، ذلك لأن نموذج الرئيس فى الستين عاما الماضية لم يخرج عن هؤلاء، ولأننا نعيش فى مجتمع أبوى، وكانت آمالنا تتجسد فى الرئيس أثناء ولايته، وإعجابنا به كان شخصيا أكثر منه موضوعيا لذلك نرى المرشحين وبدون قصد منهم يميلون إلى هذا أو ذاك من الرؤساء، وحتى الآن لم أر مرشحا يتحدث ببساطة طبقا للقول الفلسفى العريق: «كن نفسك»، والشخص الذى يحاول أن يتمثل بغيره يفقد نفسه، أو يسقط فى المنتصف بين نفسه ومن قلده فيكون مسخا من الاثنين، وأنصح المرشحين أن يستمعوا ويشاهدوا المرشحين للرئاسة فى فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا ويروا كيف يعبرون عن أنفسهم ببساطة شديدة وهذا ما يميزهم كأفراد عن بعضهم البعض ويكون لهم مصداقية لدى الجماهير لكن عندما ترى الجماهير المصرية المرشحين يتحركون كالرؤساء السابقين يتمثل أمامهم شبح الديكتاتور، وهذا ليس فى صالح أحد من المرشحين.

 

 

 

ثالثًا: معظمهم يفتقد للثقافة السياسية

 

 

 

والثقافة السياسية هنا تعنى الإلمام بالتاريخ وليس مجرد الإلمام لكن أيضا الدقة فى سرد الأحداث مع تحليلها، لذلك تجد أنهم عندما يتطرقون إلى أحداث تاريخية يظهر عليهم التردد وعدم التحديد، بل وحديثهم الدائم عن تاريخهم الشخصى وليس عن تاريخ مصر سواء القديم أو الحديث والثقافة السياسية تعنى أيضا الإلمام بأحداث المنطقة سياسيا بل وأحداث العالم، فالبعد التاريخى مع أحداث الحاضر فى ضوء الإلمام بحركة المستقبل وتوقعاته، وإدراكه بمكانة مصر وحركتها وخصوصيتها، فى ضوء كل ذلك يتحرك ويعرف أين يضع قدمه وكيف يتخذ قراره، هذا ما يسمى بالثقافة السياسية.

 

 

 

رابعًا: معظمهم يفتقد للإبداع

 

 

أو ما يسمى بالتفكير خارج الصندوق بمعنى التفكير غير التقليدى أو المتوارث، فعندما نقرأ البرامج المكتوبة أو نسمع أو نشاهد المرشح يتحدث عن برنامجه نجد أنه ذات الكلام المتكرر فى كل البرامج بينما نرى أن الرؤساء الذين نجحوا فى نقل بلادهم نقلة نوعية واضحة كانوا من أولئك الذين انتقلوا من التفكير التقليدى المتوارث إلى فكرة مبدعة أحس الناس بها فأيدوه وأيدوها وبقوة، وأتذكر فى هذا رونالد ريجان الذى أسقط الاتحاد السوفييتى من خلال ما أسماه حرب النجوم وتحالفه مع انجلترا وبابا الفاتيكان فى هذا الشأن وتقرير «أمة فى خطر» عن التعليم الأمريكى، أيضا إبداع بيل كلينتون فى الناحية الاقتصادية، وإبداع أوباما فى «نعم نستطيع yes we can» والوعد بإزالة كل سلبيات غزو العراق وأفغانستان وحماقات جورج بوش الابن وإبداع دى سلفا فى البرازيل، ولقد كان السادات مبدعا سواء فى حرب أكتوبر أو فى زيارته لإسرائيل واستطاع أن يضع إسرائيل ولأول مرة فى تاريخها فى موقف لا تحسد عليه أمام العالم، صحيح لم يستثمر هذا الموقف بشكل كامل لأسباب عدة لكن هذا لا ينفى أنه فكر خارج الصندوق ولا شك أن مصر فى هذه الأيام تحتاج لشخص يفكر خارج الصندوق ليتواءم مع الإبداع الجماعى الذى حدث فى ميدان التحرير بثورة 25 يناير وليستكمل هذا الإبداع بإبداع فى القيادة.

 

 

خامسًا: معظم المرشحين يفهمون المرونة خطأ

 

عندما تستمع إلى بعض المرشحين قبل فتح باب الترشيح رسميا ثم تستمع إليهم بعدها تجد أن هناك اختلافا كبيرا بل وعندما تراجع حواراتهم فى برامج التوك شو ثم تقرأ برامجهم تجد بعض التناقض خاصة بالنسبة للمادة الثانية من الدستور وقد وضح هذا جليا فى المناظرة بين عمرو موسى وأبوالفتوح وفى الموقف من الأقليات، هناك عبارات واسعة وفضفاضة، لقد أثبت الاستوديو التحليلى للمناظرة عدة متناقضات أو إنكار لما قيل من قبل فى مواقف مختلفة، مما يؤدى إلى الاتهام بالنفاق وتجد أن معظم المرشحين يدافعون عن أنفسهم أكثر من دفاعهم عن برامجهم، أما الفريق أحمد شفيق فقد اتجه اتجاها عكسيا تماما بقوله: «الرئيس مبارك هو مثلى الأعلى» وهنا نقول إن هذا لا يمثل الثبات على المبدأ بقدر ما يمثل عدم المرونة، فهل هو يرى فى أسلوب حكم حسنى مبارك مثلا أعلى، إذن لماذا أسقط هذا السقوط الشعبى المدوى؟! لذلك لابد وأن يفرق المرشح بين الثبات على المبدأ والمرونة، فليس المرونة تساوى النفاق لكل التيارات وليس الثبات على المبدأ هو اتخاذ مثال اتفق الشعب على فشله.

 

عزيزى القارئ ألم أقل لك أنهم هواة؟! أكتب هذا وأنا أعلم أن واحدا منهم سيصير رئيسا للجمهورية وأرجو ألا يحاسبنى ـ عندئذ ـ كرئيس محترف فى الحفاظ على أمن الدولة كما تعودنا على مدى ستين عاما.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات