نظام النقــد الدولى.. ونذر التغــيير القادمة - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الجمعة 1 يوليه 2022 4:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

نظام النقــد الدولى.. ونذر التغــيير القادمة

نشر فى : الثلاثاء 17 مايو 2022 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 17 مايو 2022 - 7:30 م

بظهور الرئيس نيكسون فى 15 أغسطس 1971 فى أحد أشهر الخطب فى التاريخ ليعلن رسميا إيقاف الولايات المتحدة تحويل الدولار إلى الذهب، كان ذلك بمثابة نعى لاتفاقية بريتون وودز، وقد اتخذت الولايات المتحدة ذلك القرار دون الرجوع إلى حلفائها فى أوروبا الغربية الذين تراكمت لديهم بلايين من الدولارات الأمريكية التى لم يعد ممكنا تحويلها إلى ذهب، وفى ذات الوقت تواصل الاضطراب فى سوق الذهب وأسواق النقد العالمية.

فاتفقت تلك الأطراف على الاجتماع والتشاور لإيجاد مخرج لتلك الأزمة وانتهى الأمر بإبرام إتفاقية سميثونيان فى ديسمبر 1971، واتفق فيها الموقعون على تخفيض قيمة الدولار بما يمكن أن يتحقق معه علاج عجز ميزان المدفوعات الأمريكى، وتم تخفيض الدولار مقابل إلغاء الولايات المتحدة لضريبة الواردات والتى كانت ستحدث ضررا بالصادرات الأوروبية واليابانية للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من اتفاقية سميثونيان، استمرت أسعار الذهب فى الأسواق العالمية فى الارتفاع المتواصل، فارتفعت من 42 دولار للأوقية فى ديسمبر 1971 إلى 112 دولار للأوقية فى مطلع 1973، وفى ذات الوقت تسبب ارتفاع أسعار الفائدة فى دول غرب أوروبا فى توجه بلايين الدولارات للاستثمار فيها، فتفاقم عجز ميزان المدفوعات الأمريكى من جديد، وعندئذ قامت الولايات المتحدة فى فبراير 1973 بمفاجأة العالم بعمل تخفيض جديد فى سعر الدولار بنسبة 10%، فقامت على أثر ذلك ست دول أوروبية بتعويم عملاتها فى مواجهة الدولار والين اليابانى. وتثبيت أسعار الصرف فيما بينها (نظام الثعبان الأوروبى).

فى جهات أخرى من العالم، كانت الدول النامية تعانى أشد المعاناة مما يحدث، نتيجة تراجع الطلب العالمى على المواد الخام التى تصدرها مع تدهور أسعارها، وفى ذات الوقت ارتفعت أسعار وارداتها من الدول الصناعية نتيجة التضخم فى تلك الدول، فتدهورت شروط التجارة الدولية فى غير صالح الدول النامية، وتفاقم عجز ميزان مدفوعاتها، ولم يقدم صندوق النقد الدولى آنذاك سوى النزر اليسير من التسهيلات لهذه الدول، لأن استخدام تلك التسهيلات محكوم بمقدار حصة الدولة العضو فى الصندوق، ولما كانت حصة الدولة النامية محدودة، فلم تستفد الدول النامية من تسهيلات الصندوق بينما استفادت الدول العشر الكبرى التى تمتلك الجزء الأعظم من حصصه من تسهيلات الصندوق أكثر من غيرها.

على ذلك النحو تواصلت الأمور إلى أن قامت حرب أكتوبر المجيدة 1973 والتى كان من آثارها تصحيح أسعار النفط الذى استمر العالم الغربى فى الحصول عليه بسعر بخس طوال ثلاثة عقود كاملة بعد الحرب العالمية الثانية، ليتحقق لأول مرة سعر عادل لبرميل النفط.

لكن ما تحقق للدول المصدرة للنفط من إيرادات نفطية كان هائلا، وأكبر كثيرا من قدرة الدول النفطية وتحديدا الخليجية على استيعابه فى اقتصاداتها، فضلا عما يمكن أن تحدثه تلك الفوائض النفطية من آثار على الساحتين الاقتصادية والسياسية، فقام هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى آنذاك بالتوجه إلى الشرق الأوسط واتفق مع المملكة العربية السعودية على اتخاذ الدولار عملة التسعير الوحيدة للنفط، وربط مبيعات النفط السعودى بالدولار، واستثمار الفوائض النفطية فى سندات الخزانة الأمريكية.

كما سارعت المؤسسات النقدية الدولية وفى مقدمتها صندوق النقد الدولى نحو اجتذاب تلك الفوائض وإعادة تدويرها، واتجه معظمها للاستثمار فى السندات الأمريكية والبريطانية والمصارف التجارية الغربية، فتم بذلك احتواء صدمة النفط الأولى، وما دفعته الدول الصناعية كثمن عادل للنفط باليد اليمنى، استردته مرة أخرى اقتصادياتها باليد اليسرى فى استثمار الفوائض البترودولارية.
وبحلول عام 1975 كانت جميع دول منظمة الأوبك قد ربطت صادراتها النفطية بالدولار، فعزز ذلك من مكانة الدولار على الساحة العالمية كعملة للسيولة الدولية وتصاعد الطلب العالمى على الدولار ليتعمق ربط الاقتصاد العالمى بالدولار، الذى بات عملة تحديد السعر وإجراء المعاملات وإبرام العقود لأهم سلعة فى العالم آنذاك وهى النفط، كما باتت فوائضه مصدرا فعالا للتمويل والاستثمار فى اقتصاديات العالم الغربى.
• • •
فى المرحلة اللاحقة، سعت الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا للقيام ببعض الإصلاحات فى نظام النقد الدولى، فعقد مجلس محافظى صندوق النقد الدولى اجتماعا فى جامايكا 1976 اتفق فيه على حرية كل دولة فى انتهاج ما تراه مناسبا من نظم للصرف، وإلغاء السعر الرسمى للذهب وتجريده من الصفة النقدية، وتحديد سعره وفق آليات العرض والطلب فى السوق العالمية، وتقرر أن تكون وحدات حقوق السحب الخاصة هى الأصول الاحتياطية لنظام النقد الدولى.
وعلى أثر اتفاقية جامايكا 1976 أخذت كل دولة فى انتهاج ما يتلاءم مع مصالحها من سياسات سعر الصرف، فانتهجت الدول الصناعية بعملاتها القوية نظام التعويم، بينما ربطت العديد من الدول النامية عملاتها ببعض العملات القوية كالدولار والإسترلينى والفرنك، وربط غيرها من الدول عملته بسلة عملات أو بوحدات حقوق السحب الخاصة، وانتهى عصر ثبات أسعار صرف العملات، وأخذت أسواق المضاربة على العملات تزدهر مع تصاعد حركة رءوس الأموال الساخنة، وتوسع نشاط الشركات متعددة الجنسية، وانتشار الركود التضخمى فى العديد من البلدان، والمزيد من المعاناة للدول النامية.
فى الولايات المتحدة، تواصل عجز الموازنة الفيدرالية وعجز الحساب الجارى لميزان المدفوعات، وتواصلت السياسة الأمريكية القائمة على سد ذلك العجز بالمزيد من الدولارات المتدفقة إلى أوصال الاقتصاد العالمى، فالدولار مازال وسيواصل القيام بدوره كعملة الاحتياط والسيولة الرئيسية فى العالم، وقد وصف الاقتصادى الأمريكى دوجلاس ديلون ذلك بقوله: إننا نتمتع بميزة حقيقية عندما يتم تمويل عجز ميزان مدفوعاتنا بواسطة زيادة كمية الدولارات التى تتدفق إلى العالم، فإذا لم يكن الدولار هو عملة الاحتياط والسيولة الدولية، وإذا لم تكن الولايات المتحدة هى مصرف العالم الذى يطبع الدولارات، لم يكن لذلك أن يتحقق، وكنا سنواجه ذات الوضع الذى تتعرض له الدول الأخرى.
• • •
وهكذا استمر تحقق عجز ميزان المدفوعات الأمريكى عاما بعد الآخر بمعدلات عالية وبأرقام فلكية، فى ظل تزايد الواردات الأمريكية من أوروبا الغربية واليابان والتى باتت أقل سعرا فى ظل ارتفاع مستويات التضخم الأمريكى، وكذلك توسع النفقات العسكرية الأمريكية على الساحة العالمية، وتوسع الاستثمارات الأمريكية والشركات الكبرى والمتعددة الجنسية فى جميع أنحاء العالم.

وقد حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة علاج الأمر، بإجراءات عديدة كان منها ترك سعر صرف الدولار يتحدد فى أسواق الصرف العالمية من خلال آليات العرض والطلب، على أمل أن يؤدى انخفاضه أمام العملات الأخرى إلى جعل الصادرات الأمريكية ذات سعر تنافسى فى الأسواق العالمية، لكن المزايا التنافسية الأخرى للبضائع اليابانية والأوروبية احتوت ذلك، ولم يتحسن المركز التنافسى للصادرات الأمريكية إلا بقدر ضئيل.

ومن جهة أخرى فقد تولد عن انهيار سعر صرف الدولار فى الأسواق العالمية تخفيض القيمة الحقيقية للفوائض النفطية وثروات الدول الخليجية من البترودولار، وتدهورت القيمة الحقيقية لأرصدتها الدولارية فى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، كما فقدت قيمتها وقوتها الشرائية فى الولايات المتحدة بفعل التضخم، ولم يكن بمقدور تلك الدول أن تفعل شيئا إزاء ذلك، ولم يكن هناك بالفعل ما يمكن فعله، فقواعد وآليات نظام النقد الدولى كانت منذ تأسيسها تسير فى اتجاه واحد ليخدم طرف واحد، هو من يصدر عملة الاحتياط والسيولة الدولية الرئيسية وحلفاؤه وشركاؤه فى منظومة الاقتصاد العالمى التى أسسها ويديرها.

أما الدول النامية فقد تكبدت تكلفة باهظة جراء نظام النقد الدولى القائم، فقد أدت التقلبات فى أسعار صرف الدولار والعملات القوية إلى تقلبات موازية فى حصيلة صادرات تلك الدول من المواد الخام والأولية التى تعتمد عليها، ومع كل تدهور فى قيمة الدولار كانت تتدهور حصيلة صادراتها، وفى ظل التضخم فى الدول الصناعية كانت تتزايد تكلفة وارداتها من السلع المصنعة والمعدات والآلات، واستنزفت الاحتياطيات الدولية لتلك الدول مع كل تدهور فى قيمة الدولار فى ظل الأزمات المزمنة التى بات الاقتصاد الأمريكى يعانيها.

وحتى وقت قريب ظل نظام النقد الدولى الحالى يعتمد بدرجة كبيرة على الدولار، حيث تتحدد السياسات النقدية للدول تأثرا بدرجة كبيرة بالسياسات النقدية لبنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى، وأمكن بذلك للولايات المتحدة أن تطبع ما تشاء من الدولار وتحصل على ما تشاء من سلع وخدمات مقابله ودون حدود، ولم لا فهو عملة الاحتياط وعملة السيولة الدولية المهيمنة.
وبعد المتغيرات الجارية على الساحة العالمية، بدأت تتشكل فى الأفق ملامح عصر جديد، لا يبدو أن الدولار سيكون فيه سيد العملات، لن يكون ذلك بين عشية وضحاها، إلا أن العالم ما قبل الأزمة الأوكرانية لن يكون هو نفسه العالم بعدها، والأيام قادمة ستشهد على ذلك.

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات