قامُوس الحُقرَاء - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الإثنين 17 يونيو 2024 1:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

قامُوس الحُقرَاء

نشر فى : الجمعة 17 مايو 2024 - 7:35 م | آخر تحديث : الجمعة 17 مايو 2024 - 7:35 م

 

لم تكن الكلمةُ التى انطلقت من فمّ السَّيدة بلا تفكير سوى وصفٍ عفوىّ، لموقف تراه وتسمعه على مَبعدة خطوات منها. كانت تنظر تجاه آخرين، يمسكون بعبوات مياه غازية شهيرة، ويتلامزون فيما بينهم ساخرين من فكرة المقاطعة التى انخرط فيها الناس منذ حرب السابع من أكتوبر؛ مؤكدين أنها لن تغير الواقعَ الأليم، ولن تخفّف شيئًا من الأوضاع المُخيفة الذى يكابدها النازحون من غزَّة، ومن رفح، والعالقون هنا وهناك وسط القَّصف والتجْويع. حقارة؛ كررتها السيّدة مرة واثنتين، ثم استدارت مُنصرِفة من المكان فى حركةٍ غاضبةٍ تشى بأنها لم تعد تُطيق المُكوث.

• • •

يأتى الفعلُ حَقُرَ فى قواميس اللغة العربيَّة بمعنى هَان، والمصدر منه حَقارة، وإذا حَقُرَ الشىءُ فى عين الرائى؛ كان القصد أنه ذلَّ وصَغُر، بل قد يُوصَف المرءُ نفسُه بأنه حقيرٌ، أما حَقَّر بتشديد القاف؛ ففعلٌ مُتعدٍ يحتاج إلى مَفعولٍ به، فإن حقَّر الرجلُ من شأن آخر كان القصدُ أنه استهان به وازدراه، الفاعل مُحقِّر بكسر القاف، والمفعول به مُحقَّر بفتحها والمصدر تَحقير، وللفعل احتَقَرَ المعنى عينه تقريبًا، والمصدر منه احتقار.

• • •

الوضاعة والحقارة صفتان كريهتان ومترافقتان؛ فإن اجتمعتا للمَرء تَفَرقَّ الناسُ مِن حوله، واستغنوا عن صُحبته، وعزفوا عن دعوتِه لمشاركتهم فى حزنٍ أو فرح؛ إذ جرت العادةُ على أن يخذلَ الحقراءُ الأقربين منهم عند الحاجة، وأن يمتنعوا عن مدّ يد المساعدة لهم؛ وإن كانت فى المقدور.

• • •

يقول إيليَّا أبوماضى: نسى الطينُ ساعة أنه طينٌ.. حقيرٌ فصالَ تيهًا وعَربدَ.. وكسى الخزُ جسمَه فتباهى.. وحوى المالَ كيسُه فتمرَّدَ، والأبياتُ ذمٌ فى التنكُّر للأصلِ والتعالى على الناسِ، وأكم من شخصٍ تناسى حين ابتسم له الحظُّ ما كان عليه فى الماضى؛ فادعى غير حقيقته وتفاخَر بما لا ليس له ولا منه، بينما آخرون ما انفكوا يحتفون بأصولِهم مهما تواضعت، ويعتصمون بها من الغُرور والزَّلل.

• • •

نظراتُ الاحتقار ثاقبةٌ قاسيةٌ وفى بعضِ الأحيان تغدو قاتلة؛ تعملُ عملَ الخِنجَر فى الصَّدر ما بَرِحَ الشعور حَيًّا عفيًا، لكنها تمسى عدمًا إن تبلد إحساسُ المرء وتكلَّس وبات كاللوحِ الجامِد؛ لا تؤثر فيه نظرةٌ ولا كلمةٌ ولا حتى بَصقة.

• • •

مثلما تبعثُ الأفعالُ الحقيرةُ على الأسى؛ فإنها ترسمُ على الوَجه علاماتِ امتعاضٍ ظاهرة، وربما تستثير الازدراءَ والكثيرَ من القَرف، وفى بعض مشاهد الدراما تكون الخيانةُ على سبيل المثال مَدعاةً للغثيان بل قد يصاحبها ميلٌ للقىء؛ إذ تتسبَّب الانفعالاتُ القويةُ فى أعراضٍ جسديَّة تصعب السَّيطرةُ عليها. كلما طلَّ من الشاشةِ وجهٌ كريهٌ ينتحل الأسبابَ والمزاعم، ليبررَ عمليةَ الإبادةِ المُتعمَّدة التى تجرى على أرضِ فلسطين؛ باءت النفسُ بمشاعر احتقارٍ لا حدود لها، وماجت الأحشاءُ بالغَضب.

• • •

الخِسَّة من نسيج الحَقارة، وفى تصرُّفات الحَقير دناءةٌ ظاهرةٌ غير مَخفية، والحق أن قاموسَ الحقراءِ لا يحوى قيمًا كالكرامة والكبرياء، ولا يتضمَّن مشاعرَ فى حُكمِ الخَجل أو الحَياء. لا حمرةٌ تكسو الوَجنتين، ولا حبَّات عَرقٍ تسيلُ على الصدغَين، ولا ارتعاشة صَوتٍ تُدلل على سوءِ الفِعل وخشيةِ العاقبة، وبينما لا يجسُر الشخص المهان على رفع عينيه ومواجهة الآخرين؛ فالحقير عيناه مفتوحتان عن آخرهما والطبع ظاهر غلاب.

• • •

ربما يختار المرءُ أن يكذبَ وأن يمضى ليغزلَ من كذبته ثوبًا واسعًا براقًا؛ يخلبُ به ألبابَ الناس ويُضفى على ذاته فى أنظارهم بريقًا وطلاوة؛ فإن ترهَّلت منه الخيوطُ وانكشفت الحقائق، تهاوَت فى اللحظةِ مَكانتُه، واستصغَر الناسُ شأنه، وعدُّوه ضئيلًا حقيرًا، وقديمًا قال الشاعر: «لا تفرحوا بحقيرٍ.. يصير فيكم هيبا.. فالفحم يبقى زمانًا.. والجمر يفنى قريبًا».

• • •

تقول الحكمةُ المأثورة: «مَن رَضى أن يتَّسمَ بالحقارة؛ عاش عمرَه يتجرَّع المَرارة»، والمعنى أن ثمَّة اختياراتٍ يدومُ أثرها، ولا يمكن تداركَه أبدًا، وإذا كان الحديثُ عمّا يَجدر بالمرءِ أن يتبعَ فى حياته؛ لقفزَت إلى الذّهنقولةُ المُتنبى: «إذا غامرت فى شَرفٍ مَروم.. فلا تقنع بما دون النُّجوم.. فطعمُ المَوت فى أمرٍ حَقير.. كطعمُ المَوت فى أمرٍ عظيم.. يرى الجُّبناءُ أن الجُّبنَ حَزمٌ.. وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيم»، والأبيات شارحة نفسها وافية فى مضمونها؛ لا تتطلبُ استزادةً ولا تعليقًا.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات