الاستثمار في البشر - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 2:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الاستثمار في البشر

نشر فى : الأحد 17 نوفمبر 2019 - 1:50 ص | آخر تحديث : الأحد 17 نوفمبر 2019 - 1:50 ص

ربما لا يختلف شخصان على أهمية التعليم والصحة على حياة الشعوب والتأثير الإيجابى لتحسن مستوى هاتين الخدمتين على مستوى سعادة أى شعب. فى هذا المقال أود أن أنظر لهذه الفكرة من منظور مختلف وهو المنظور الاستثمارى. دائما ما تنظر الحكومات لتحسين مستوى هذه الخدمات كعبء يثقل كاهل الدولة ولكن ماذا لو نظرنا له كاستثمار وله عائد مجزٍ، حتى لو كان هذا الاستثمار طويل الأجل.

المدن التى تتصدر العالم اليوم فى الانتاجية وفى عالم الاقتصاد والأعمال تذكرنى دائما بتجربة الفأر الذى يدور فى العجله بلا كلل أو ملل. مع الفارق أن الإنسان ليس فأرا، هو مخلوق متطور ومعقد وله مطالب وطموحات. يريد حياة كريمة له ولأسرته. يريد تعليم جيد لأبنائه، مستشفى مجهزة ونظام طبى متطور، شوارع نظيفة ومهيئة للسير بلا مشاكل أو عقبات، نظام حكومى ميسر يمكّن الحكومة من أخذ حقوقها بدون الجور على المواطن أو تعطيله. نيويورك، لندن، زيوريخ، دبى، سنغافورة، مدن تتصدر العالم. دائما ما يبهرنى فى دبى كيف استطاعوا أن يجمعوا كل هذه الجنسيات، وكثير منهم يأتون من دول معروفة بعدم النظام ولكن شعوب هذه الدول فى دبى يصيرون الأكثر حرصا على الحفاظ على نظام الدولة؛ وذلك لأنهم يقدّرون مستوى المعيشة التى ينعمون بها هناك. زيوريخ أكثر من ثلث سكانها يأتون من خارج سويسرا ويعيشون فى مدينة من أكثر مدن العالم غلاء ويتمسكون بها بسبب مميزات غير مادية. هذا المناخ ينتج عنه جذب لأفضل المواهب العالمية مما يزيد من انتاجية المدينة وانتاجية الدولة. وهنا أعود لمثال دبى لأنها الأقرب لنا وأنظر لنجاحها فى جذب أهم الشركات الوليدة Startups فى المنطقة، شركة كريم بدأها سويدى وباكستانى من دبى لخدمة عدة أسواق ليست الإمارات أكبرها ولكنها تبقى مركزا قويا للانطلاق. من دبى استطاعوا جمع فريق عمل على أعلى مستوى من المؤهلات العلمية، ونجحوا فى تكبير الشركة حتى بيعت بعدة مليارات لشركة أوبر الأمريكية، كريم ليست وحدها.
هذا النجاح فى هذه المدن الرائدة يأتى بسبب العمل على مستويين:

على مستوى الشركة: نظام حكومى واضح وسهل للدخول والخروج من السوق ولتسيير الأعمال. ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أن فتح الشركة سهل، اشتراطات التراخيص واضحة ومفهومة وهناك من أعود إليه إذا كان عندى تساؤلات، وهو موظف حكومى ولكنه على أعلى مستويات الدراية العملية بمجاله وهو موجود لمساعدتك لبدء العمل وليس لايجاد عراقيل. المتابعة تكون مع جهات رقابية محدودة ومعروفة ومهمتها الأولى هى مساعدتك لنجاح مهمتك مع مراعاة حقوقها. النظام الضريبى واضح وبسيط وليس فيه لبس أو احتمالات تأويل كثيرة ويسعى لإغلاق الملفات سريعا لأن أى تأخير فى مشاكل شركة سينتج عنها «تطفيش» عدد أكبر من المستثمرين وينتج عن ذلك خسارة فرصة زيادة الحصيلة الضريبية على المدى الطويل. أخيرا نظام احتكام وتقاضٍ عادل وناجز. أما اذا قررت الشركة إغلاق أبوابها والخروج من السوق فالنظام يمكّنك من الانتهاء من ذلك فى أسرع وقت ممكن وبدون «ديول»؛ لأن هذه «الديول» تولد خوفا من الدخول فى النظام الرسمى على المستوى المحلى، فتولد لديك قطاع غير رسمى وتتسبب فى تخويف المستثمرين الجدد من الدخول فى السوق.

على المستوى الشخصى للموظف: النظام مرسوم حتى يدور الفأر فى العجله أكثر وقت ممكن بدون تضييع الوقت فى روتين أو مشكلات غير إنتاجية. تعليم أولاده، صحة عائلته، تجديد ترخيص سيارته وفحصها، طريق ممهد على أعلى مستوى، وسائل انتقال عامة رخيصة وسهلة ونظيفة وتصل لكل ركن فى المدينة. ترفيه عالمى متواصل تقوم به شركات متخصصة أيضا فى اطار احترافى ونظام حكومى واضح وسهل. الحكومة تريد من المواطن أو الموظف أن يرفه عن نفسه فلا تعقد الاجراءات لشركة الترفيه وفى نفس الوقت تحفظ حقها وتحفظ النظام العام. إذا رفه الموظف عن نفسه ستزيد إنتاجيته ويرتفع أداؤه.

الوصول لهذا المستوى من الأداء المتناغم يجعل هذه المدن الكبرى قادرة على النظر لطموحات أكبر وأكثر تعقيدا. عندما عينت الإمارات وزيرة للسعادة فهذا لأنهم يرون أنهم وفروا كل سبل السعادة للمواطنين والمقيمين لديهم، فإذا كان هناك شخص مازال غير سعيد فلماذا وكيف نحسن من مستوى خدماتنا لزيادة سعادته. زيوريخ لديها مكتب لاستقبال المغتربين الجدد للتعارف ولمساعدتهم فى جميع أمورهم واشتراطات الاقامة. ولماذا لا؟ من وجهة نظر استثمارية بحتة هى معادلة رابحة. إذا تمكن المغترب من الانتقال السلس للمدينة سيبدأ فى الانتاج ودفع الضرائب سريعا. وإذا لم تقدم له المدينة أفضل ما لديها فمدينة «زوج» على بعد أقل من ساعة وتقدم ضرائب أقل من زيوريخ. فى علامة واضحة لرؤية الحكومة لدورها كمقدم خدمة فى تنافس مع مدن ودول أخرى، أتذكر عند مرورى من الجوازات فى مطار سنغافورة وجدت محطة إلكترونية تسألنى عن رأيى فى تجربتى مع ضابط الجوازات وأنا العبد الفقير إلى الله. طبيعى، إذا كانت تجربتى سيئة، سأجد مكان آخر فى هذا العالم الواسع لبدء تجارتى أو قضاء إجازتى.

ليس غريبا اذن أن تجذب هذه المدن أقوى الشركات وأفضل المواهب العالمية لتحقق نجاحات تغير وجه العالم ولكن الأهم تغير وجه الاقتصاد القومى. ايلون ماسك، رائد الأعمال الأسطورى ومصنّع السيارة التسلا، وهى أكثر السيارات الكهربائية توزيعا فى العالم نشأ وترعرع فى جنوب افريقيا ولكنه انتقل لوادى السيليكون الأمريكى حيث المناخ الأمثل للصناعة التى يجيدها ومنها بدأ عدة شركات تقدر بمليارات من الدولارات منها شركة فضائية قد تغير وجه صناعة الفضاء وتجعل أمريكا تستكمل ريادتها للمجال مثلما جعلها رائدة لصناعة السيارة الكهربائية عالية الرفاهية. لماذا لم يفعل ذلك فى جنوب افريقيا ويفيد اقتصادها؟

الرد أن الدول الناشئة اليوم بحاجة للنظر أبعد من وارد وصادر فى ميزانياتها. هى بحاجة لخطة طويلة الأمد حتى تعلم عندما تزيد المصروفات عن الواردات ويكون هناك عجز أنها تسير نحو هدف وأن وصولها لهذا الهدف سيبدل من حالها ويجعلها تدخل فى تصنيف أعلى وتجعل ايراداتها فى يوم من الأيام تفوق مصروفاتها بمراحل. الهند منذ سنوات عديدة أهتمت بتعليم الحاسب الآلى واللغة الانجليزية فى مدارسها وكان عندها هدف ووصلت لمراحل متقدمة منه بأن فرضت موقعها كداعم رئيسى لمقدمى الخدمات التكنولوجية فى العالم. دعونى أوضح أننى لا أدعو لـ«دبينة» مصر. فلكل دولة حالتها الخاصة ولكل مدينة تفردها وما ينفع دبى ليس بالضرورة أن ينفع القاهرة، ولكنى أدعو لإيجاد هدف قومى نلتف حوله ونجعل منه قاطرة للاقتصاد ولرفع مستوى المعيشة. دائما ما أرى أن السياحة هى نفط مصر. هى السلعة الموجودة لدينا بوفرة ولا تنضب. أعلم أن التفكير العام عن السياحة أنها دائما على كف عفريت بسبب الارهاب اللعين ولكن، فرنسا تعانى من الارهاب، وكذلك إسبانيا وإندونيسيا وأعداد السياح بهم مازالت أكبر بكثير من أعداد السياح لدينا. لماذا لا نجعل السياحة هدفا قوم نلتف حوله ونرفع مستوى التعليم له وننشئ مراكز تدريب متخصصة لجميع المهن المتعلقة والداعمة. لماذا لا ننظر إلى بنيتنا الأساسية من وجهة نظر تسهيل وتحسين تجربة السائح بغرض زيادة أعداد السياح السنوية وزيادة معدل عودة السائح لزيارة مصر وزيادة معدل انفاقه اليومى. هل وقتها تختلف المعايير وبدلا من أن ننظر لتحسين مستوى التعليم المدرسى والمهنى وتحسين مستوى أداء الطرق مثلا على أنها مصروفات وعبء، ربما ننظر لها بحسابات الأرباح والخسائر ونجدها حسبة رابحة على المدى المتوسط والبعيد؟ أظن أنها فكرة تستحق التأمل.

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات