متحف في تكية، والخاسر محفوظ - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 21 سبتمبر 2020 9:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

متحف في تكية، والخاسر محفوظ

نشر فى : السبت 18 يناير 2020 - 7:55 م | آخر تحديث : الأحد 19 يناير 2020 - 12:20 م

غرف المتحف مغلقة بالمفاتيح. ربما يخافون من أن تعبث شخصيات نجيب محفوظ، صاحب المتحف، بمقتنياته وأغراضه المعروضة. الشخصيات بالفعل مرسومة بعناية فائقة تجعل الحياة تدب فيها دبيبا، خاصة وأننا في قلب القاهرة الفاطمية حيث كان يعيش معظمهم. والمكان غالبا سيبدو موحشا ليلا، فيغريهم باللعب والمرح.
الدرابزين الخشبي الذي تم طلاؤه باللون الأزرق، بعد الترميم، تغطيه الأتربة، في حين لم يمض إلا شهور على الافتتاح الرسمي للمتحف في منتصف يوليو الماضي. وقتها اهتمت الصحف بالخبر، وهنأ الكُتاب بعضهم البعض على أنه صار لمحفوظ متحف أخيرا، بعد ثلاثة عشر عاما من المفاوضات والإجراءات التي جسدت ثقل وعقم البيروقراطية المصرية، منذ وفاة صاحب نوبل في أغسطس 2006.
عندما يصل زوار إلى تكية أبو الدهب، على بعد خطوات من جامع الأزهر ومجموعة الغوري، يصحبهم موظف وزارة الثقافة المختص، حاملا المفاتيح. وبخلاف موظفي وزارة الآثار الذين يعرفون عادة الكثير من المعلومات عن المكان الذي يشرفون عليه، ويشفقون غالبا على الموقع من ضعف الإمكانات، فموظف الثقافة لا يلم سوى بأقل القليل. يكتفي بمتابعة الزوار من غرفة إلى أخرى، وكأنه ينفذ عقوبة مشددة. نكاد نسمع أنين محبرة محفوظ، أو بالأحرى ضحكاته ونكاته اللاذعة، وهو يراقب تحركات الموظف ومن معه، ويرى دهشة البعض عند ملاحظة خطأ أو أكثر في أسماء زملائه من الحاصلين على جائزة نوبل.
صوت محفوظ يأتينا محشرجا ومهتزا من الغرفة المخصصة لعرض فيلم تسجيلي عنه، يروي فيه الكاتب الذي ولد عام 1911 بعضا من ذكرياته، لكن رداءة الصوت والصورة تجعل هناك صعوبة في المتابعة. ويأتي غالبا رد الموظف ليفحم الجميع: الفيلم معروف، عرض من قبل في التليفزيون! كما لو أن لسان حاله يقول: إذا كنتم مصممين على مشاهدته فستجدونه على اليوتيوب، لستم بحاجة إلى استغراق كل هذا الوقت داخل المتحف.
***
لم يكن الكاتب يحتفظ بمسودات أعماله، أو هكذا يشاع، لكن هذا لا يفسر فقر المقتنيات المعروضة وعدم وجود أرشيف شخصي أو فوتغرافي محترم يليق بمحفوظ الذي كان دوما قريبا جدا من الناس، ولا تزال ابنته أم كلثوم على قيد الحياة. ولا شيء يبرر أيضا الاستسهال في الإعداد للمتحف، وضعف تصور العرض المتحفي، حتى لو قيل ضمن ما قيل إن المختص لم يتول مهمته سوى خمسة أشهر قبل الافتتاح. عذر أقبح من ذنب.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يتم التعرض لمسيرة كاتب، لحياته وأعماله؟ كيف يمكن أن نعيد اكتشاف أدب مؤلف معين من خلال متحف، سواء أقيم هذا الأخير في بيته أو في أحد الأماكن المرتبطة بقصصه ورواياته؟ يقال إنه تم اختيار تكية أبو الدهب، مسؤول خزانة الدولة وزوج ابنة المملوك علي بك الكبير، لأنها تقع بالقرب من المنزل الذي ولد فيه محفوظ، وتم هدمه قبل سنوات.. طبعا بسبب الغباء الشديد، لمن لا يعرفون قيمة ما يملكون. كذلك جاء ذكرها في رواياته مثل "الحرافيش": "عقب منتصف الليل ذهب إلى ساحة التكية لينفرد بنفسه في ضوء النجوم ورحاب الأناشيد. تربع فوق الأرض مستنيما إلى الرضى ولطافة الجو. لحظة من لحظات الحياة النادرة التي تسفر فيها عن نور صاف. لا شكوى من عضو أو خاطرة أو زمان أو مكان. كأن الأناشيد الغامضة تفصح عن أسرارها بألف لسان. وكأنما أدرك لِمَ ترنموا طويلا بالأعجمية وأغلقوا الأبواب".
عادة عندما نذهب إلى مكان مماثل، محملين بالصور والأجواء التي جاء ذكرها في الكتب، إما أن ننبهر أو ننحسر. ونحن طبعا في الحالة الثانية، فبدلا من أن نعايش وصف الساحة تطالعنا أعمال الحفر والتكسير لبناء مصعد، ورائحة مجاري خفيفة تنبعث كلما هب النسيم من ناحية مغاسل الوضوء الخاصة بمسجد وسبيل أبو الدهب المجاورين، وهو أحد التحف المعمارية التابعة لوزارة الآثار. نغوص قليلا في تفاصيل الخلافات والنقاشات بين وزارتي الثقافة والآثار حول إدارة المكان، ويبدو الأمر معقدا. نكتشف معهما وجود صهريج ضخم ظهر خلال أعمال الحفر، كان بالطبع يستخدم لملىء السبيل وحوض الدواب.
***
أعود بتفكيري لطرق عرض أشياء الكاتب الخاصة ضمن سياق يجعلنا نعرفه عن قرب، خاصة ونحن في زمن الواقع الافتراضي، فلا يصبح المعروض مجرد مجموعة قلادات أو القليل من الكتب وصور لبعض الأفلام... لم يبذل أي مجهود لإعادة ترتيب عالم محفوظ الأثير. لا أشرطة صوتية، لا ذكريات من عايشوه وبعضهم لا يزالوا أحياء وفي صحة جيدة والحمد لله، لا شغل مستلهم من شخصياته وأعماله... فمن لا يعرف محفوظ جيدا مسبقا لن يستفد شيئا تقريبا، ومن يعرفه سيخرج حانقا من الزيارة لأنها لم تأت على قدر كاتب عظيم وعلى قدر مجموعة أثرية هامة يرجع تاريخها للقرن الثامن عشر الميلادي. لا غرف التكية الكثيرة التي سكن فيها الدراويش وبعض طلاب الأزهر في السابق تم توظيفها بشكل جيد، ولا ساحتها كذلك، وحتى المقهى الذي أقيم في التكية ظل مهجورا، مثلما المتحف ككل. الانطباع العام هو أن افتتاح المتحف وتطويره الذي تكلف 15 مليون جنيه، بحسب ما ذكرت الصحف، جاء من باب تسديد الخانات.
في جميع أنحاء العالم مشكلة متاحف الكتاب هي ضعف إمكانات الجمعيات أو المجالس أو الجهات القائمة عليها، وكيفية تحويلها إلى أماكن جاذبة ونابضة بالحياة من خلال أنشطة مختلفة. ونحن حتى الآن غارقون في البيروقراطية وفي أفكار سطحية غير خلاقة بالمرة. لم أرَ حارة نجيب محفوظ في المتحف، لم أشعر بروح شخصياته، رغم قدم المكان ووجوده في أحد أحيائي المفضلة. خرجت بغضب من مبادرة توسمت فيها خيرا، خنقتني البيروقراطية، شعرت بالغربة عن عالم نجيب محفوظ. المتحف لا يشبهه. لا سخرية، لا ذكاء، لا إبداع. أنت لا تخرج منه وأنت محموم برغبة في اقتفاء أثر الشخصيات في الشوارع والأزقة. خسارة بعد كل هذا التهليل والصخب. لكن لاتزال هناك فرصة لإعادة النظر.

التعليقات