الأحد 26 مايو 2019 5:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

د. أحمد كمال أبو المجد: «وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر»

نشر فى : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م

من شدائد القدر ــ وللقدير المقتدر القدير حكمته ــ أن تتعاظم المصائب حتى نظن صدق المثل العربى القديم: «تأبى المصائب أن تأتى فرادى» نعم فنوافذ الإعلام تلوك «دردشة أو دروشة حول نصوص دستورية». فهل يتصور أحد أن يثار نقاش جاد فى الفقه الدستورى، ولا يسمع فيه رأى د. أحمد كمال أبو المجد؟!!! هذا الفقيه الدستورى الذى مارس الفكر الدستورى نظريا عبر رسالته للدكتوراه «الرقابة على دستورية القوانين فى أمريكا ومصر»، كما مارس الفكر الدستورى عمليا بكفاءة واقتدار.

ــ1ــ
وحينما أقول إنه ــ يرحمه الله ــ مارس الفكر الدستورى عمليا بكفاءة واقتدار، فإنما أقرر حقيقة فطرية وشرعية ودستورية وثقافية، وتلك حقيقة أن الوظيفة الأساس لأى دستور هى: ضبط حدود المعاملات بين السلطات مطلقا وبين الشعب صاحب السيادة وصاحب الدستور، ثم تأتى بعد ذلك بقية وظائف الدستور وأشهر ما يدندن به بعض المتفيهقين وظيفة التوازن بين السلطات !!! وكلما قرأت ذلك تعجبت أشد العجب، إذ كيف نصنع توازنا بين الأصيل والوكيل؟ والأصيل هو الشعب ممثلا فى مجلسه النيابى، والوكيل هو جميع مستويات السلطة التنفيذية. وهل يقبل العقل توازنا بين سلطة التشريع صاحبة الأمر والنهى، وبين سلطة التنفيذ المكلفة بالتنفيذ لا غير؟!!!!

ــ2ــ
وفقيدنا ــ يرحمه الله ــ قد ابتلى شديد الابتلاء حينما اتخذ طريقا مستقيما وسطا منذ شبابه، فلم تأخذه صيحات الخطابة فيتورط فى محاباة رأى أو مذهب ويتعصب له، ولم ترهبه زبانية الأمر والنهى ولا تحتويه مقولة السمع والطاعة فاستطاع ــ يرحمه الله ــ أن ينجو بشبابه من رؤى ضيقة وأن يفتح قلبه وعقله للوحى الإلهى فى القرآن والبيان النبوى الصحيح، أما كل ما بعدهما فإنما هو أقوال رجال لا قيمة لأحدهم إلا بقدر تقاربه مع الوحى وإحاطته بالواقع.

ــ3ــ
وابتلى ــ يرحمه الله ــ ثانية حينما عهدت الدولة إليه بالمشاركة فى تخليص البلاد مما أصابها من طقوس الاشتراكية وتوابعها، فأسندت الدولة إليه مسئولية آخر أمين للشباب فى مصر. وكان الرجل ــ يرحمه الله ــ أمينا على الأمة قبل أن يكون أمينا للشباب فإذا ذكرنا من تولى هذه المسئولية قبله فنحن أمام على صبرى وسامى شرف ومحمد حسنين هيكل ومعهم حسين كامل بهاء الدين، فهؤلاء وغيرهم سبقوه فى المسئولية وبعضهم شاركه فى العمل. لكن الجميع يعلم تمام العلم أن «أحمد كمال أبو المجد» ــ يرحمه الله ــ فى تلك المهمة الشائكة استطاع أن يعيد الأمور إلى نصابها وأن يخلص الثقافة العامة مما علق بها من أقوال ومبادئ الاشتراكية. كما لم يعل من شأن الحاكم على حساب المحكوم، وتلك ممارسة عملية لصحيح الفكر الدستورى.

ــ4ــ
كما ابتلى ــ يرحمه الله ــ ببلاء الوزارة «وزارة الشباب» ثم «وزارة الإعلام»، فلم يراوغ ولم يداهن. وهنا يجب أن أذكر أن فريقا من الفقهاء يرضى الله عن الجميع يقولون رأيا احترازيا لا سند له من الشرع: وهذا الرأى خلاصته كراهة الدخول على الحكام. مجرد الدخول عليهم مكروه!! فكيف إذا تحدثوا معهم؟!! وكيف إذا قبلوا الوزارة معهم؟!!! ولا شك أنهم قالوا برأيهم هذا احتياطا من السقوط فى ألاعيب السلطات وغواية الصولجان. ولكن الآخرين من الفقهاء يرون غير ذلك... فإذا امتنع أهل الكفاية عن الحكام فمن ينصح الحكام ويشير عليهم؟ ومن يرد ويصد؟ ومن يؤدى دور النذير للأمة إذا حدث خطر؟ إن مجرد استقالة الفقيه أو غيابه عن الحدث هو بمثابة نذير للأمة.

ــ5ــ
أما عضوية الراحل فى مجمع البحوث الإسلامية (الأزهر) وما أدراك ما المجمع، فإذا أردنا شهادة لدوره ــ وهو فى غنى عنها ــ فإن أحدا ممن رافقه فى تلك المؤسسة لم يصدر له عمل فكرى يوازى كتاب الرجل «حوار لا مواجهة» وكذلك كتاب «رؤية معاصرة».

ــ6ــ
لذلك كله ذكرت المثل العربى القديم «وفى الليلة الظلماء يفتقدون البدر» كما تمثل به عنترة العبسى، ثم أعاد استدعاءه أبو فراس الحمدانى، وها نحن نعيد استدعاء نفس المثل لغياب د. أحمد كمال أبو المجد فى تلك الظروف التى لا يجهلها أحد ولعلهم يتذكرون.

جمال قطب   رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف
التعليقات