الدين والثورة التونسية - معتز بالله عبد الفتاح - بوابة الشروق
الأحد 12 يوليه 2020 2:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الدين والثورة التونسية

نشر فى : الأربعاء 19 يناير 2011 - 9:14 ص | آخر تحديث : الأربعاء 19 يناير 2011 - 9:14 ص

 اشتركت بالأمس فى ندوة بين عدد من المتخصصين الأمريكيين والعرب لمناقشة ما حدث فى تونس. وقد اعتبر بعض المشاركين أن تراجع معدلات التدين فى المجتمع التونسى (بسبب بطش النظام التونسى) هى التى جعلت التونسيين بعيدين عن تأثير مزدوج للخطاب الإسلامى المعاصر: الأول هو الخطاب الإسلامى المسيس الذى يجعل تطبيق الشريعة وإعمال الحدود والحديث عن الخلافة والإغراق فى ماضى الأمة وعظمة الأجيال الأولى مقدما على قضايا حقوق الإنسان والتحول الديمقراطى ومحاربة الفساد. والثانى هو خطاب دينى تبريرى (تخديرى) يدعو لطاعة الحاكم ويخلط بين تأكيد الإسلام على حاجة المسلمين لسلطة سياسية وبين طاعة هذه السلطة حتى وإن كانت تسلطية، أو حتى يأخذ الناس بعيدا عن التفكير فى السياسة بإطلاقها.

إذن وضع النظام التونسى كل البيض فى سلة واحدة وهى سلة القبضة الأمنية وهذا يختلف عن نظم عربية أخرى وصفها «آصف بايات» (الباحث الإيرانى) بأنها «نظم علمانية دينية» أى (seculareligious) وكأنها كلمة واحدة، تتخذ كل قراراتها وفقا لحسابات دنيوية ماكيافيلية لكنها لا تنسى أن تطليها باللون الأخضر كى تبدو إسلامية أمام العوام. إذن نظم الحكم العربية المبالغة فى معاداة الدين من خلال علمانية متطرفة تفتقد أهم مقوم للشرعية فى المجتمعات المسلمة وهى الطاعة الدينية للحاكم «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ومبدأ الصبر على أئمة الجور المستقر عند معظم الأئمة.

نحن بالفعل أمام معضلة تستحق التأمل: فالنظم التى تستخدم الرموز الدينية بكثافة فى خطابها السياسى وتسمح بدرجة عالية من التدين الشكلى فى المجتمع تكون أكثر استقرارا من تلك التى تتبنى خطابا علمانيا حادا فى منطقتنا العربية. لقد حدثت الثورة فى إيران وغابت فى مصر، رغما عن أن الدولتين حدث فيهما عملية «أسلمة»: فى إيران بطريقة عنيفة عن طريق الثورة ضد العلمانية المتطرفة، وفى مصر عبر أسلمة الدولة والمجتمع شكليا بحيث ارتفعت معدلات الخطاب الدينى غير المسيس وكان الفائز هو نظام الحكم الذى استخدم الدين لصالحه.

فى المقابل كان النظام التونسى أمينا مع نمط العلمانية المتطرفة التى اختارها فحاول إزالة الدين (جوهرا وشكلا) من مؤسسات الدولة ومن فضاء المجتمع، ففقد أحد أهم مقومات بقائه رغما عن فساده واستبداده.

لو صح هذا التحليل فإن الخطاب الدينى المعاصر نجح فى أن يكون حليفا للاستبداد فى مجتمعاتنا بحيث اختلطت الأولويات، والفائز هم الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد.

معتز بالله عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وميشجان، ويدير حاليا وحدة دراسات الإسلام والشرق الأوسط في جامعة ميشجان المركزية في الولايات المتحدة. حصل على ماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة وماجستير الاقتصاد ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية من الولايات المتحدة. كما عمل في عدد من مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة ومصر، له ثمانية كتب والعديد من المقالات الأكاديمية منشورة باللغتين الإنجليزية والعربية.
التعليقات