الدكتور سليم حسن.. قبس من نور - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الإثنين 22 أبريل 2024 9:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الدكتور سليم حسن.. قبس من نور

نشر فى : الثلاثاء 19 ديسمبر 2023 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 ديسمبر 2023 - 7:30 م

زمن حزين نعيشه، نصبح كل يوم بأخبار عن قتل المئات من الفلسطينيين فى غزة، نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال تسيل دماؤهم وتتهدم الدور فوق رءوسهم بينما يقف العرب عاجزين مشتتين غير قادرين على وقف هذه الهمجية، على الجانب الآخر يقف المجتمع الدولى صامتا متبلدا أمام المجازر التى ترتكب كل يوم بل نرى الشركات الغربية العملاقة تقدم الوجبات الساخنة لجنود الاحتلال وسط ساحات غزة وتغسل ملابس الجنود. لكن هيهات أن تنقى ملابسهم وأياديهم من الدم الذى سفكوه، لم تفكر هذه الشركات فى تقديم شطيرة تقيم بها أود طفل فلسطينى يبيت فى العراء بعد أن تهدم بيته وقتلت أسرته.
لعل من عاش صباه فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى يشعر بألم أكبر عندما كنا نغنى أمجاد يا عرب أمجاد، ووطن يا زاحف لانتصاراتك ونبكى على زمن راح تبعه زمن الانكفاء والاستسلام، إنه عالم ملبد بالغيوم السوداء القاتمة تبعث الكآبة واليأس فى النفوس.
• • •
فى وسط هذا الجو المظلم الكئيب ما أحوجنا إلى ومضة نور تبعث الأمل فى النفوس وتبدد الكآبة والحزن. جاءت ومضة الضياء من منارة كأنها تهدى سفينتنا بعيدا عن صخور اليأس والحزن إلى طريق النور والأمل.
أما المنارة فهى هذا الصرح العتيد، مكتبة مصر العامة، التى تشع بنور الفكر والفن والعلم، لتنشر النور على جميع أرجاء مصر بفروعها التى غطت محافظات البلاد. وبانى هذه المنارة ومؤسسها الذى يغذى مصباحها بمادة النور والضياء هو الفارس الكريم النبيل السفير، عبدالرءوف الريدى، الذى يقود كوكبة من الرجال والنساء لإدارة هذا الصرح على رأسهم الرجل المثقف المستنير الفنان السفير، رضا الطايفى. جاءت الومضة فى هذه المرة فى شكل ندوة أقامتها المكتبة فى اليوم الثالث من ديسمبر، تناولت سيرة قامة علمية عملاقة الأثرى العظيم الدكتور، سليم حسن، إضافة إلى رونق وبهاء هذه الندوة مشاركة الفرسان الثلاثة الكبار فى مجال الآثار الدكتور، زاهى حواس، وزير الآثار الأسبق والدكتور، ممدوح الدماطى، وزير الآثار الأسبق أيضا والدكتور، فتحى صالح، الذى يتميز عن النجمين الآخرين بأن دراسته ليست فى مجال علم المصريات لكنه دكتور مهندس وله اهتمامات ثقافية وتاريخية رشحته خلفيته لاختياره مستشارا ثقافيا فى سفارة مصر فى باريس وممثلا لمصر فى منظمة اليونسكو. كما تولى الدكتور فتحى صالح تأسيس مركز التراث الحضارى والطبيعى CULTNAT لتسجيل آثار وتراث مصر إلكترونيا.
تناول هذا الثلاثى الكبير استعراض مسيرة الدكتور سليم حسن الذى ولد فى عام 1893 فى قرية تابعة لمركز ميت غمر، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا فى عام 1909 التحق بمدرسة المعلمين العليا قسم الآثار التى تعتبر امتدادا لمدرسة اللسان القديم التى أنشأها الخديو إسماعيل، بإيعاز من رفاعة الطهطاوى ليتعلم المصريون اللغة المصرية القديمة والتاريخ الفرعونى. لكنها لم تستمر طويلا وأغلقت بعد أن تخرج منها دفعة وحيدة ولمس تفوقه أحمد كمال باشا أبو علم المصريات فى مصر الذى تخرج فى الدفعة الأولى فى مدرسة اللسان القديم.
تخرج الدكتور سليم حسن من مدرسة المعلمين العليا فى عام 1913 وتقدم لوظيفة أمين مساعد فى المتحف المصرى إلا أن طلبه رفض لأن وظائف المتحف كانت محجوزة للأوروبيين، فعمل مدرسا للتاريخ فى المدارس الحكومية حتى عام 1921، لكن تغير الجو العام فى مصر بعد ثورة 1919 وجاءت ضغوط الحكومة المصرية لصالح تعيين الموظفين المصريين. وبعد سنة من عمله فى المتحف اصطحبه أحمد كمال باشا إلى فرنسا فى عام 1922 لحضور احتفالية مئوية نجاح شامبليون فى حل رموز الهيروغليفية. وبعد انتهاء مهمته فى فرنسا قام بجولة فى بريطانيا وألمانيا، زار خلالها المتاحف وهاله كم الآثار المصرية المعروضة فيها، وكتب سلسلة من المقالات نشرها الأهرام تحت عنوان «الآثار المصرية فى المتاحف الأوروبية»، نادى فيها بضرورة عودة هذه الآثار إلى مصر، فكان أول من دشن حملة عودة الآثار المنهوبة.
وفى سنة 1925، وأيضا بتوصية من أحمد كمال باشا، أرسلت الحكومة سليم حسن فى بعثة إلى فرنسا حتى التحق بقسم الدراسات العليا بجامعة السوربون حيث حصل على دبلوم فى الهيروغليفية، وحصل كذلك على دبلوم من السوربون فى الديانة المصرية القديمة، وبعد أن أكمل دراسته فى فرنسا عاد إلى مصر ليشغل منصب الأمين المساعد للمتحف المصرى وأستاذا مساعدا للآثار فى جامعة فؤاد الأول ثم سافر إلى النمسا ليحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فيينا.
وفى عام 1929 بدأ عمليات حفر وتنقيب فى منطقة أهرامات الجيزة على رأس بعثة جامعة فؤاد لتكون أول بعثة حفريات فى منطقة الأهرام تقوم بها هيئة علمية مصرية، وحقق عددا من الكشوفات أهمها مقبرة الملكة خنت كاوس من الأسرة الرابعة وسجل كشوفاته فى مذاكرات علمية دقيقة.
فى عام 1936 كان سليم حسن أقرب المرشحين لأمانة المتحف المصرى بسبب خلفيته العلمية وإجادته اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية إلا أنه واجهته عداوات كثيرة بسبب مواقفه المتصدية لتنمر الأوروبيين ووقفهم فى طريق تقدم الكادرات المصرية، حتى إن المجلة المتخصصة فى شأن علم المصريات Chronique de l’Egypte والتى تصدر فى باريس كرست مساحات للهجوم عليه. وزاد الأمر جسامة عندما قام سليم حسن بنقل المجموعة الأثرية الخاصة بالملك فؤاد عقب وفاته من قصر عابدين إلى المتحف المصرى، مؤكدا أنها تراث ملك للشعب وتصدى لمحاولات الملك فاروق لاستعادتها. فانضم القصر إلى قائمة أعدائه وتمت إقالته من مناصبه فى المتحف وفى الجامعة فى عام 1939.
ذكر الدكتور سليم حسن لاحقا لأصدقائه أن إقالته من مناصبه الرسمية، وإن كانت صدمة كبيرة، إلا أنها كانت من ناحية ثانية نعمة كبيرة؛ فقد أقامت له فرصة التفرغ للأبحاث ولكتابه، وانكب على الكتابة وأنتج تراثا ثريا أبرزه موسوعة تاريخ مصر المكونة من 18 جزءا فى عام 1957، التى ما زالت رغم مرور الزمن تمثل مرجعا أساسيا لكل دارس لتاريخ مصر القديم.
وبعد قيام ثورة 1952 وعرفانا بمكانته العلمية وتقديرا لدوره الوطنى فى دعم الأثريين المصريين كلفته الدولة فى عام 1954 بإعداد دراسة عن آثار النوبة ومدى تأثرها بمشروع السد العالى وكيفية حمايتها والحفاظ عليها، وهى الدراسة التى تلقفها عملاق عظيم آخر من أبناء مصر البررة وبنى عليها الدكتور ثروت عكاشة الذى قاد حملة ملحمية مع منظمة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة.
• • •
أكتب هذه السطور علها تصل إلى جيل جديد صاعد واعد من الشباب ليتعرفوا على رموز مضيئة من رجال مصر الذين جاهدوا وناضلوا فى وقت كانت مصر تناضل ضد المحتل الذى انحاز لكل أوروبى ضد كل مصرى، ولم يهنوا ولم يستسلموا. وأحيى من خلال كلماتى المنارة الناصعة، مكتبة مصر العامة، التى تلقى شعاعها المضىء على هذه الرموز الرائدة فى وقت تواجه مصر فيه تحديات كبيرة، لكنه قدر مصر التى شدت تقول «وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى قواعد المجد وحدى»، وما زالت مصر مستمرة فى بناء قواعد المجد حتى تصل بها إلى عنان السماء.

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجمع العلمي المصري
التعليقات