وسائل الإعلام الأمريكية أحصت نحو 30754 كذبة أو ادعاء كاذبا ومضللا للرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى ولايته الرئاسية الأولى فقط من ٢٠١٧ - ٢٠٢٠، ناهيك عن أكاذيبه فى الولاية الحالية.
ورغم ذلك فإن تصريح ترامب يوم الجمعة الماضى، يعتبر، من وجهة نظرى، هو أصدق ما قاله ربما طوال حياته السياسية.
خلال حوار أجراه مع موقع أكسيوس قال ترامب: «لولا تدخلى لكانت إسرائيل قد تم سحقها، وما كانت موجودة اليوم، ويتعين على نتنياهو أن يكون عاقلا بعض الشىء».
فى نفس اليوم الذى تحدث فيه ترامب بهذا الكلام، كان ملفتا للنظر ما قاله أيضا جى دى فانس، نائب الرئيس الأمريكى، ردا على الانتقادات الحكومية الإسرائيلية لمذكرة التفاهم، ووجه إليهم رسالة من شقين:
«الولايات المتحدة هى الحليف الوحيد الباقى لإسرائيل، وترامب هو رئيس الدولة الوحيد فى العالم بأسره الذى يتعاطف مع إسرائيل فى هذه اللحظة، ولو كنت عضوا فى حكومة إسرائيل فلن أنتقد الحليف الوحيد المتبقى لى فى العالم».
أما أخطر ما قاله فانس فهو: «أذكّر أعضاء الحكومة الإسرائيلية بأن ثلثى الأسلحة الدفاعية التى حمت إسرائيل صُنعت بأيدٍ أمريكية ومن أموال دافعى الضرائب الأمريكيين».
ثم ختم كلامه بالقول: «أى شخص فى إسرائيل يعتقد أن أكبر مشكلاته هى ترامب عليه أن ينتبه ويدرك حقيقة الوضع الذى تمر به بلاده».
انتهى الاقتباس من كلام دى فانس، الذى قال أيضا إنه لا يثق بإسرائيل ونعود مرة أخرى لنقول إن لترامب أخطاء كثيرة لا تعد ولا تحصى، لكنه فى هذا الأمر كان شديد الصدق ولا يمكن لأحد أن يدعى أن ترامب يبالغ أو يبتز أو يلاوع نتنياهو وإسرائيل.
والسر فى ذلك ببساطة أن ترامب هو أكثر شخص فى العالم وأكثر رئيس أمريكى دعّم وساند إسرائيل، وهو أمر يكرره نتنياهو كثيرا فى الفترات الأخيرة.
ترامب اعترف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده لها وقبلها اعترف بسيادتها على الجولان، وكان يخطط للاعتراف بسيادتها على الضفة الغربية.
وهو الذى دعّم إسرائيل فى تدمير قطاع غزة وحاول مرارا وتكرارا تهجير أهله وسكانه، وهو الذى دعّم إسرائيل فى تدمير سوريا.
وهو الذى انضم إلى إسرائيل فى اليوم الأخير من حربها ضد إيران فى .يونيو من العام الماضى مدمرا منشآتها النووية الرئيسية
ثم حارب مع إسرائيل فى العدوان ضد إيران الذى بدأ فى ٢٨ فبراير الماضى، وهو الذى ألغى فى ٢٠١٨ اتفاق أوباما مع إيران الموقع عام ٢٠١٥. وهو الذى يقدم لإسرائيل كل ما تحتاجه من أسلحة ومعدات عسكرية ومساعدات مالية ودعم دبلوماسى غير مسبوق أو محدد.
وطبقا لما رأيناه منذ عدوان إسرائيل على غزة فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، فى لبنان ثم إيران، فلم يكن ممكنا لإسرائيل أن تستمر فى هذه الحروب لولا الدعم الأمريكى الهائل والكاسح. لدرجة أنها استهلكت واستنزفت معظم مخزوناتها من الأسلحة والقنابل والمعدات الحربية.
إذن عندما يغضب ترامب من نتنياهو وبعض أعضاء حكومته، فالمؤكد أنه وصل إلى الدرجة التى لم يعد يحتمل فيها الصبر.
ما تفعله إسرائيل مع أمريكا هو مثال عملى على أنها لا تحترم أو تقدر أو تعبأ بالجميع؛ عدوا كان أو صديقا، وكل ما تريده أن يدعمها الجميع بلا حدود.
وحينما تغضب إسرائيل من ترامب، فالمؤكد أن هناك أمرا غير منطقى بالمرة!!
والمؤكد أكثر أن أعضاء الحكومة الإسرائيلية المتطرفين المنتقدين لترامب، قد فقدوا الذاكرة أو فقدوا العقل؛ لأنه ببساطة لا يعقل أن تقوم حكومته بانتقاد الدولة التى لولا دعمها لكان تم سحقها فى هذه المنطقة منذ عقود.
الولايات المتحدة ملتزمة منذ زرع إسرائيل فى المنطقة ١٩٤٨ بأن تضمن لها التفوق النوعى الكامل على جميع دول المنطقة. وقد أوفت واشنطن تماما بهذا الالتزام حتى الآن، وبالتالى حينما يخرج أعضاء فى الحكومة الإسرائيلية وينتقدون ترامب فهو أمر شديد الغرابة.
السؤال الذى نكرره كثيرا هذه الأيام هو: هل ما نشاهده من تلاسن علنى بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية هو خلاف عابر وتكتيكى وربما تمثيلى «بين الحبايب»، أم أنه بداية خلاف حقيقى بسبب تضارب المصالح، وهل يمكن للعرب أن يستفيدوا من هذا الخلاف، أم يفوتوا الفرصة كما فعلوا آلاف المرات؟!