بحر غزة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 11 ديسمبر 2019 7:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

بحر غزة

نشر فى : الأحد 20 يوليه 2014 - 6:05 ص | آخر تحديث : الأحد 20 يوليه 2014 - 6:05 ص

هم «أهل الشاطئ الآخر»، كما تقول أغنية الفلسطينية كاميليا جبران، ونحن «لم يعد فى وجوهنا غير النظر»، كما تقول الأغنية أيضا.. فى غزة، حدث يمحو حدثا، كما تفعل الأمواج بالرمال، وقد تعود الناس رغما عنهم أن يعيشوا وفق إيقاع نسيان البحر، رئة القطاع الوحيدة بامتداد حوالى 45 كيلومترا على ساحل المتوسط. فى أوقات الهدوء يمرحون قدر استطاعتهم على الشواطئ التى سمح لهم بارتيادها منذ العام 1994، بعد توقيع أوسلو واتفاقية غزة ـ أريحا.. فلا أحد يعلم ماذا سيأتى فى اللحظة القادمة. وفى الشدة، لا يبقى أمامهم سواه، كما أبلغتهم رسائل التنبيه التى تلقوها من السلطات الإسرائيلية مؤخرا على هواتفهم المحمولة، والتى تطالبهم بالرحيل وإخلاء منازلهم بسبب القصف.. وقد جاءت الرسائل لتؤكد على معنى يعرفونه جيدا: ليس أمامكم سوى البحر، (اشربوا منه).. ولكن حتى عندما يحاول أهل غزة أن يمارسوا حياتهم بشكل طبيعى، وأن يجلسوا على أحد مقاهى الشاطئ ليشاهدوا مباراة هولندا والأرجنتين فى تصفيات كأس العالم، يصيبهم صاروخ ويحصد أرواح ثمانية أشخاص على الأقل. ينقلب المشهد فجأة وتظهر البلدوزرات التى تبحث عن الجثث تحت تلال الرمل.. ويجلس أهل الضحايا فى الانتظار، تحت لافتة كتب عليها اسم الشاطئ «وقت المرح».

•••

يحاولون بالفعل اقتناص أوقات للمرح، ففى الصيف تتراص عادة الطاولات والكراسى البلاستيكية.. ذرة مشوى وآيس كريم وعوامات للأطفال، مايوهات شرعية للرجال والنساء وفقا لقواعد حماس، شباب يرقصون «البريك دانس» فحوالى 60% من السكان أقل من 18 سنة، مسابقة للطائرات الورقية نظمتها الأونروا، تزلج على الماء وألعاب أخرى، قاعة أفراح ومقاه ومطاعم أسماك تقدم أطباقا غزاوية حريفة كما يحبها أهل القطاع الذين يعشقون الفلفل الأخضر الحامى... ثم يأتى ما يذكرهم بالحظر والإغلاق والكساد وضرورة التعايش مع الخطر.. أزيز طائرات المراقبة بدون طيار أو صوت هليكوبتر ينذر عادة بقرب سقوط صاروخ، أو ببساطة حوالى ثلاثة آلاف صياد لا يجدون رزقا فى المناطق التى حددتها إسرائيل لهم، بعد أن قلصت مساحة الصيد البحرى من ستة أميال إلى ثلاثة فقط.

•••

تواتر الأحداث يجعل من بحر غزة بحرا غرائبيا.. يلقى صياد بشباكه، فى فبراير الماضى، فيقع على تمثال ضخم من البرونز للإله الإغريقى، أبولو، يرجع تاريخه لأكثر من ألفى سنة، أرادت حماس بيعه بحوالى 250 مليون يورو. وقبلها بعام انتشرت صور أكوام لأسماك «شيطان البحر» النافقة، ولم يعرف أحد سر موتها بهذه الطريقة وتواجدها على شواطئ غزة بهذا الكم، وهى من الأنواع المهددة بالانقراض. كأن الأسماك أرادت أن تعلن تضامنها مع الموت المتكرر للبشر على شاطئ غزة الذى تتصارع أمواجه بين يأس ورجاء، وقد أصاب المياه ما أصابها من التلوث بسبب الصرف الصحى غير المعالج (حوالى 110 آلاف متر مكعب يوميا)، الذى يصب مباشرة فى البحر بسبب انقطاع الكهرباء وتوقف محطات المعالجة.

•••

لا يتحدث الكثيرون عن معالم غزة، بل تستأثر مدن مثل القدس وبيت لحم بمشاعر الحنين لشوارعها العتيقة وأماكنها المقدسة.. لا يأتى إلا فيما ندر ذكر تاريخ المدينة المسورة التى شيدت على ارتفاع 45 مترا عن مستوى سطح البحر.. أقامها شعب قديم كان يطلق عليه «الفلستينيون» أو «الفلستيون»، عندما هاجر عام 1190 من جزيرة كريت واستقر على الساحل الجنوبى لأرض كنعان ( المساحة من غزة إلى يافا حاليا)، بعد مهاجمة مصر. وهم وراء تسمية المنطقة كلها بفلسطين، بعد أن ذهبوا وتركوا اسمهم للرومان ولكل من جاء بعدهم... حيث تتراكم الرمال على الشاطئ، ثم يأتى الموج ليمحو كل شىء... يدرب السكان أنفسهم على النسيان والتذكر، فكلاهما مطلوب ليتمكنوا من الاستمرار، لكن تبقى مرارة فى الحلق.. ما يفسر قيام سيدة من غزة بالتوجه فى الصباح الباكر إلى البحر، خاصة فى الأيام التى يكون فيها الهواء شديدا، وتظل تصرخ وحيدة على الشاطئ لتفرغ ما بداخلها من مرارة وربما عنف، كما أسرت هذه السيدة للصحفية الإسرائيلية ــ أميرة هاس ــ فى كتابها «شرب البحر فى غزة»، الذى صدر قبل عدة سنوات، خلال عمل الأخيرة كمراسلة لجريدة «هاآرتس» وإقامتها داخل الأراضى الفلسطينية، فقد شهد شاهد من أهلها، ومن وقت صدور الكتاب فى نهاية التسعينيات وحتى يومنا هذا يتجرع «الغزية» مياه البحر، بل ازداد الوضع سوءا.

التعليقات