رقائق إلكترونية تتحكم بمصير العالم - قضايا إستراتيجية - بوابة الشروق
الجمعة 12 أبريل 2024 5:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

رقائق إلكترونية تتحكم بمصير العالم

نشر فى : الأربعاء 21 فبراير 2024 - 8:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 21 فبراير 2024 - 8:25 م
نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب اللبنانى، محمود برى، تناول فيه أهمية الرقائق الإلكترونية فى الصناعات الحديثة، وعلاقتها بالتوتر الأمريكى الصينى بشأن تايوان، ولماذا لا تصنع بكين أو واشنطن هذه الرقائق حتى لا يتصارعان؟.. نعرض من المقال ما يلى:
لعلّه عصر أشباه الموصلات. التعبير أصبح من الأكثر تردادا فى الأوساط العلميّة وأندية الصناعات الدقيقة المتقدّمة. وهو يشير إلى رقاقة صغيرة يجرى تركيبها فى الآلة (كومبيوتر أو صاروخ أو طائرة حربيّة أو هاتف محمول...) فى سبيل تشغيل الجهاز. من خصائصها أنّها لا توصِل التيّار الكهربائى بقدرته ذاتها، بل بالقدرة التى يتطلّبها الصَّانع. فالرقاقة شبه الموصلة يُمكن التحكُّم بموصليّتها، أى بمقدار ما توصله من التيّار.
فى التوصيف فالرقائق الإلكترونيّة، أى أشباه الموصلات، هى دوائر كهربائيّة دقيقة (Microcircuit) تُغلَّف بمادّة من البلاستيك أو الخزف، وتحتوى على عددٍ من الترانزستورات ومكثّفات التيّار الكهربائى أو المقاومات أو المحرّضات له (بحسب الطلب)، تقوم بوظائف منطقيّة رقميّة، يتمّ من خلالها تشغيل الأجهزة الإلكترونيّة والتحكُّم بها، فضلا عن أنّها أساس وعلّة ما بات يُسمّى بالذكاء الاصطناعى فى أجياله الأكثر حداثةً ودقّة. تُعتبر تايوان المصدر العالَمى الأهمّ والأبرز لإنتاجها. ومن هنا مشكلة هذه الجزيرة والتنافُس المُلتهب عليها بين واشنطن وبكين، والحديث المُتصاعد عن التأزُّم بشأنها بين الغرب والشرق.
تحتلّ هذه التقنيّة موقع الصدارة فى الصناعات الحديثة ولا غنىً عنها لتصنيع جميع المُنتجات الإلكترونيّة. فالرقاقة Wafar هى شريحة صغيرة جدّا من مادّة نصف موصلة (مثل بلّورة أحاديّة من السيليكون النقى المُستخرَج من الرمال) تُستعمَل لتصنيع الدوائر أو «الدّارات» المُتكاملة والأجهزة الميكرويّة التى لا غنىً عنها لتصنيع جميع المنتجات الإلكترونيّة، وهى أغلى مُنتجات السيليكون وأكثرها تعقيدا.
جرى تطوير هذه الصناعة فى أواخر الخمسينيّات من القرن الماضى، بفضل جهود كلٍّ من «جاك كيلبى» و«روبرت نويس» (يحمل «كيلبى» براءات أكثر من 60 اختراعا. أمّا «نويس» فيملك 16 براءة اختراع باسمه).
التحكُّم فى تصنيع أشباه الموصلات هو بأهميّة التحكُّم بإمدادات النفط فى القرن العشرين. ويُمكن للدولة التى تُسيطِر على هذا التصنيع أن تُسيطِر أيضا على (وحتّى أن تخنق) مختلف الصناعات الحديثة، وبالتالى القوى العسكريّة والاقتصاديّة والجيوسياسيّة للدول، باعتبار أنّ مَن يتحكَّم بإنتاجها سوف يحدِّد مَسار القرن الحادى والعشرين.
لذا من البديهى أن يشتدّ التنافُس عليها، حتّى إنّ الحرب بين الدول الصانعة والمورّدة لها، لا بدّ لها إن قامت، أن تقوم، على خلفيّة هذه التقنيّة والتحكُّم بها.
وتمثِّل الرقائق الإلكترونيّة مفتاح التحكُّم بجميع الأجهزة الإلكترونيّة والتقنيّات المتقدّمة، من السيّارة والطائرة والقمر الصناعى، إلى الهاتف وآلة الحلاقة وكلّ الأجهزة المتّصلة بالإنترنت، بما فيها الأجهزة الذكيّة القابلة للارتداء، والإلكترونيّات الاستهلاكيّة، وكلّ أنظمة الأسلحة التى بُنيت فى القرن الـ21، مثل نظام الصواريخ عالية الحركة «هيمارس» (HIMARS) والطائرات المُسيَّرة والذخائر والصواريخ المضادّة للدبّابات والألغام البحريّة، كذلك تُستخدم فى ميادين الطبّ لتشخيصٍ أسرع وأضمن للسرطان والأمراض الأخرى. وتشكِّل الرقاقة المكوِّن الأساس لجهاز الكومبيوتر، المعروف باسم المُعالِج الدقيق والذاكرة الإلكترونيّة.
• • •
السؤال الأبرز المطروح يدور حول أهمية الرقائق من جهة، ومبرّر المخاوف المُتصاعِدة من اندلاع حرب باردة جديدة (تحمل بذور تحوّلها إلى حرب ساخنة) بسببها، بين الغرب والشرق، وتحديدا بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة والصين بشأن تايوان.
لكن.. لماذا قد تُحارب واشنطن من أجل تايوان كأنها ولاية أمريكية؟ وما الذى يدفع الولايات المتّحدة إلى خَوْضِ حربٍ من أجل حماية جزيرة صغيرة تقوم على بُعدِ آلافِ الأميال من حدودها؟.. كلّ شىء يبتدئ من الرقاقات الإلكترونيّة كانت سيطرة تايوان على صناعة هذه الرقاقات بمنزلة هِبة ونعمة للاقتصاد التايوانى. بيد أنّها صارت تشكّل فى ما بعد تحدّيا حقيقيّا لسلامة الجزيرة وأمنها وشبه استقلالها. فالولايات المتحدة الأمريكية ومعها الغرب الأوروبى، لا يستغنيان عن هذا المصدر الميسور والموثوق للرقائق الإلكترونيّة التى باتت عماد التكنولوجيا الحديثة. لكنّ تايوان التى تُنتج معظم الرقاقات فى العالَم، ليست أكثر من بلد صغير.. ولا يَبعد أكثر من مائة ميل عن البرّ الصينى الرئيس، بحيث يَنظر إليها العملاق الأصفر نظرةَ أبوّة ولو بالإكراه، ويعتبرها منطقة انفصاليّة تقع على عاتقه مهمّة إرجاعها إلى بيت الطاعة. وسبق للرئيس الصينى «شى جين بينج» أن أَعلن أنّ «توحيد الصين مع تايوان هو حتميّة تاريخيّة».
من هنا فالصراع الحالى على تايوان (بين واشنطن وبكين ومعها روسيا) هو أكبر من مجرّد رغبة صينيّة فى ضمّ تايوان إلى البرّ الرئيس، أو رغبة غربيّة بالسلام من خلال منْع الصين من غزو تايوان. فجذور هذا الصراع المُتفاقِم تتجلّى فى مجال صناعة الرقائق المتقدّمة الذى يشكِّل الأساس الحقيقى لأيّ مُواجَهة مُحتمَلة، ولاسيّما أنّ الانقطاع لمدّة عامٍ واحد فى توريد الرقائق التايوانيّة وحدها، سيكلِّف شركات التكنولوجيا العالَميّة نحو 600 مليار دولار.
وقد أفلَ ذلك الزمن حين كانت أمريكا فى مقدّمة صانعى أسرع الرقائق على المستوى العالَمى. فهى تراجَعت خلال العقود الأخيرة بفعل المُنافَسة الصاعدة من قِبَلِ تايوان والصين وروسيا وكوريا الجنوبيّة وأوروبا، وتآكلت حصّتها فى تصنيع أشباه الموصلات وإنتاجها من 37% من الإنتاج العالَمى فى العام 1990، إلى 12% فقط فى العام 2020، بحسب بيانات نَشَرَها موقع «أكسيوس» الأمريكى.
هذا ما أسهم ليس فى نقص الرقائق عالميّا فقط، بل فى حربٍ باردة جديدة مع القوى العالَميّة الأخرى التى تعمل جاهدةً لسدّ الفجوة. وكان من الطبيعى أن تتضاعف أهمية تايوان (والخطر المحدق بها) على هذا المستوى، وهى توفّر 55% من الرقائق الإلكترونيّة عالَميّا، من ضمنها 84% من الرقائق فائقة التقدُّم. وتُعتبر تايوان، بحسب «نيويورك تايمز»، أهمّ صانع للرقائق ومزوِّد بها، وقد احتلّت الصدارة فى السباق لصنْع الشرائح أو أشباه الموصلات الأقل سماكة والأسرع والأقوى، والتى تعمل على تشغيل «إنترنت الأشياء» فى أجيالها الحديثة التى يجرى تنشيطها عبر شبكات الجيل الخامس. ويتعيّن على أى دولة تتطلّع إلى الهيْمنة على المستقبل الرقمى، الحصول على هذه الرقائق فائقة السرعة وفائقة النحافة.
وفى سياق المُنافسة الأمريكيّة ــ الصينيّة على الرقائق وعلى تايوان، لم يعُد من اليسير تحديد القوّة العظمى المسيطرة. فالصين ما زالت تعتمد بشكل أكبر على الواردات والتكنولوجيا الأجنبيّة، التايوانيّة أولا، بينما الولايات المتحدة تستثمر بشكل أقل فى الإنتاج المحلّى، فى حين أن مصنع أريزونا (الوحيد فى البلاد) ليس كبيرا بما يكفى لسدّ الحاجة الأمريكية.
• • •
لماذا لا تصنع أمريكا أو الصين أشباه الموصلات أو الرقائق بنفسها؟ تبلغ تكلفة بناء مصنع رقائق كبير ما يزيد عن تكلفة بناء حاملة طائرات من الجيل المستقبلى، أو أكثر من بناء محطّة طاقة نووية حديثة. أضف كلفة اليد العاملة المحلية الأعلى بكثير منها فى مناطق شرق آسيا. وهذا يشكّل عبئا ضخما على الولايات المتحدة الأمريكية والصين الغارقتيْن أكثر فأكثر فى مطبات الهجوم الروسى على أوكرانيا.
لهذا تفضّل الولايات المتحدة والصين كلاهما الاعتماد على شركات طرف ثالث تملك بالفعل مصانع جاهزة وقادرة على تلبية احتياجات كلٍّ منهما من الرقائق المتقدّمة. مع ملاحظة أنّ هَيْمَنة تايوان فى تصنيع أشباه الموصلات، تلعب دورا حيويا فى ردْع أى غزو صينى مُحتمَل للجزيرة.
وماذا إذا غَزت الصين تايوان؟ لو غامرت الصين باقتحام «درع السيليكون التايوانى» وغزت الجزيرة لإعادة ضمّها إلى البر الرئيسى، فهناك احتمالان من الممكن توقّعهما: الأوّل وقوع مصانع الرقائق التايوانية تحت سيطرة الصين، ما يعنى تحكُم بكين بتصنيع هذه الصناعة الحيوية التى لا غنى للغرب عنها وتوريدها. وهذا خط أحمر بالنسبة إلى أمريكا. والثانى أن تدمّر هذه المصانع فى خضم الصراع الناشب، ما يعنى أزمة عالمية هائلة لم يشهد العالم مثيلا لها بعد. وهذا بالنسبة إلى الصين كمَن يطلق الرصاصة فى رأسه. لكنّ المرجح فى حال إقدام الصين على غزو تايوان، أن تُحيّد مصانع الرقائق، لعدم الاستغناء عنها، بخاصة أن صعود تقنيّة الجيل الخامس يؤدّى إلى زيادة الطلب عليها.
من هنا تقاطُع إنتاج وتوريد أشباه الموصلات مع الجغرافيا السياسيّة، ومن هنا أيضا نشوء السبب الحقيقى للصراع الدائر بين واشنطن ومعها الغرب، وبكين وحلفائها فى الشرق.
النص الأصلى:

التعليقات