الإسورة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 4:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

الإسورة

نشر فى : الخميس 21 أبريل 2022 - 8:25 م | آخر تحديث : الخميس 21 أبريل 2022 - 8:25 م
صوت الشيخ محمد رفعت ينبعث من الراديو ويملأ أرجاء البيت فتتنزّل على النفس سكينة عجيبة تعرف طريقها من الأذن إلى القلب مباشرة، رائعة هذه المدرسة المصرية في تلاوة القرآن ولا تشبه أي مدرسة أخرى سواها، والأحرى القول إن أي مدرسة أخرى لا تشبه مدرستنا. باق على أذان المغرب نصف ساعة وهي أسرع نصف ساعة في اليوم كله فهي تمر بسرعة البرق وكأنه نزل عليها التخفيض في الأوكازيون. تتعامل صاحبتنا مع الموقف بالجدية اللازمة وتتحرك كالإنسان الآلي، وها هي قد وصلَت للخطوة الأخيرة: طبق السلاطة الخضراء الشهي. التقطَت السكين وراحت تقطع أول ثمرة طماطم إلى قطع صغيرة، لاحظَت أن يدها اليسرى أخفّ من المعتاد.. هل هي تهيؤات ما قبل الإفطار؟ لا ليست تهيؤات. حانت منها التفاتة إلى معصمها فإذا به خال إلا من بعض آثار البقدونس التي زحفت عليه والتصقَت به. اختفت الإسورة الفضة.. سقطَت.. ضاعت. ألقت السكين في خوف، وراحت تنظر من حولها.. ليست هنا ولا هنا ولا هنا، ترى أين ذهبت؟ بالأمس كان يوم صاحبتنا حافلًا جدًا وتردَدَت فيه على أكثر من مكان، إفطار مع عدد كبير من الأصدقاء في الهواء الطلق بأحد الكافيتريات، ثم الشاي والكنافة بالقشدة مع الأحفاد في كافيتريا أخرى، مشْي وركض وصلاة وحركة ولفّ ودوران لم يتوقّف إلا لحظة الخلود إلى النوم، وفي الأثناء فقَدَت الإسورة. الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.. انطلق الأذان ولم يكتمل طبق السلاطة بعد، ليس مهمًا أن يكتمل مع أنه في العادي يكون مهمًا بل وأساسيًا على المائدة. جلسَت وعقلها في مكان آخر تمامًا، الحساء ليس له طعم.. الأرز ليس له طعم.. الأكل كله بلا طعم.
• • •
ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا والإسورة الفضة تلازم معصم اليد اليسرى لصاحبتنا فلا تخلعها قط، تنام بها.. تسافر بها.. تسبح بها.. تهلل وتصفق بها.. تمد ذراعها الأيسر خصيصًا لأخذ عينة الدم حتى تكون إسورتها قريبة منها فصاحبتنا كمثل كل الأطفال تخشى الحقن حتى لو كانت حقنة تافهة لسحب عينة دم لزوم التحليلات الدورية. في لحظات معينة كانت تحس أن الحلية المدلاة من الإسورة تتسرّب إلى داخل شرايينها لتضبط بعض قيم التحاليل التي ترتفع فوق الحد الأقصى بقليل أو تنزل تحت الحد الأدنى بقليل حتى تصير هذه القيم مضبوطة وتمام التمام. كانت الإسورة تدافع عن اليد التي تلتف حولها. مكتوب على هذه الحلية بخط عربي جميل "هو صحيح الهوى غلاّب؟"، وفي ساعات الروقان كانت ترد صاحبتنا على سؤال حليتها كما ردّ بيرم التونسي على لسان ثومة "ما أعرفش أنا". كان وجود الإسورة يونّس وحشتها حين تُطفأ الأنوار ويحل الظلام فهي أيضًا تخاف العتمة، وبسبب الإسورة خاضت معارك كثيرة بعضها طريف وبعضها الآخر سخيف وانتصرَت فيها جميعًا للإسورة. كانت ابنتها المؤمنة بالبساطة أكثر مما يلزم تداعبها وتنتقد الدوشة التي تحدثها الإسورة حين تصطك حليتها بالساعة، فلم تكن صاحبتنا تعبأ لسخرية ابنتها ولا كانت تهتم بالنقد، فآراء الجيل الجديد لا تلزمنا، وكما أن لهذا الجيل سراويله الممزقة عند الركبة وأحذيته التي يلبسها بدون شرابات فإن لنا دوشة حليّنا وأساورنا المحببة. أما المعارك السخيفة فأكثر واحدة أغضبتها كانت في ذلك اليوم حين كادت الطائرة أن تفوتها في مطار إحدى دول الجوار فاضطرت أن تجري صاحبتنا بكل قوتها، معطفها الأسود يرفرف خلفها مثل الرجل الوطواط وإسورتها تهرول معها وتحمّسها بهذا الصوت المنتظم الناتج عن ارتطام الحلية بالساعة المعدنية. الأعصاب مشدودة كالقوس، وكل الوفد الذي سافرت معه استقر فعلًا في الطائرة، والنداء الأخير الذي تكرر ثلاثًا أربكها جدًا لئلا تقلع الطائرة من دونها.. وفي الأثناء جاءها صوت أجش لأحد مسؤولي المطار يخاطبها بلهجة آمرة: يا واش يا واش! يقصد أن يقول لها تمهلي كي لا تلفتين إليكِ النظر بدوشة الإسورة.. شوّحت له بيدها اليسرى فزادت الدوشة أكثر وانطلقَت كالسهم.
• • •
قبل أن تضيع منها إسورة "هو صحيح الهوى غلاّب؟" كانت قد سقطت منها هذه الإسورة أربع مرات، إحداها كانت في أمريكا وربنا ستر، وفي المرات الثلاث الأخرى ربنا ستر أيضًا، وفي أعقاب كل سقوط كانت صاحبتنا تحمل الإسورة لمن يصلحها فيفعل ثم يتكرر الأمر. الآن عندما تستعيد صاحبتنا هذه الذكريات يُخيّل إليها أن الإسورة كانت تبعث لها بإنذار تلو إنذار.. وأن كل سقوط لها كان يصاحبه سقوط لحرف من حروف الفعل المضارع "أضيع"، وهكذا سقط حرف الألف ومن بعده سقط حرف الضاد فالياء فالعين، وحين انتهت كل الحروف ضاعت الإسورة فعلًا بعد أن عملت ما عليها وفشلت صاحبتنا في صونها.
• • •
ستمّر صاحبتنا على كل الكلمات والجُمل التي تقال في مثل هذه المناسبات من نوع "عمر الإنسان نفسه بيخلص"، وهذا صحيح تمامًا لكن مَن قال إن صاحبتنا كانت تتعامل مع هذه الإسورة بالذات كجماد بلا روح؟ لا أحد يقول ذاك، فهناك علاقة خاصة جدًا كانت بينهما حتى صارت هذه الإسورة جزءًا من فتافيتها كامرأة بلغة الشاعرة سعاد الصبّاح في ديوانها البديع "فتافيت امرأة". هناك دائمًا فئة من العلاقات أقوى وأعمق وأدفأ مما يستطيع الآخرون أن يبصروه، علاقات تُسقِط عن أحد طرفيها صفة الجماد أو الشيء حتى وإن لم يكن له قلب نابض، وتجعله كائنًا كامل الأهلية يُحّب ويُحّب وله حضور وأثر.
• • •
يدها غريبة، معصمها ناقص، حركتها بلا دوشة، وإن هي فكرَت أن تشتري بديلًا للإسورة الضائعة بنفس الشكل والمواصفات، فمن أين تأتي بالذكريات التي أخذتها الإسورة القديمة وذهبَت؟ لم تذهب الإسورة وحدها، بل ذهبت وعليها آثار الصابون والعَرَق والصدأ والسنين والصحبة، وذهبَت معها حليتها الشاهدة على ألف سرّ وسرّ.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات