«دييجو مارادونا».. ألوان الشهرة المراوغة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 5:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«دييجو مارادونا».. ألوان الشهرة المراوغة!

نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 9:55 م

يعيد الفيلم التسجيلى البريطانى البديع «دييجو مارادونا» للمخرج آسيف كباديا تأمل مسيرة صعود وسقوط أحد أعظم المواهب الكروية، يكشف ببراعة وعمق عن الإنسان وراء اللاعب، ثم ينطلق إلى دائرة أوسع هى ألوان الشهرة المراوغة، بيضاء هى أحيانا، ولكنها تصبح رمادية ثم سوداء فى طرفة عين، ذلك أن اللاعب الأسطورة لم يكن مستعدا نفسيا للأضواء، هكذا يقول «بيليه» فى بداية الفيلم عن مارادونا، وتحقق ما قاله بيليه.

ما يجعل من الفيلم التسجيلى عملا فنيا ليس المادة، رغم توافرها ببذخ، كما هو الحال فى فيلمنا، وإنما عمل المخرج على المادة، رؤيته لبطله، وطريقة بناء السيناريو، وإعادة تشكيل مشاهد ولقطات بعينها، والانتقالات السلسة بين محطات تفصلها سنوات أحيانا، ومن هذه الزاوية نحن أمام فيلم متماسك، وذكى، ومؤثر، وضع يده بدقة على سر المأساة.

الفكرة المحورية قالها مدرب مارادونا الخاص، الذى ذكر بعد تعامله مع اللاعب الأسطورى أنه كان يتعامل مع شخصين؛ أحدهما اسمه دييجو: بسيط ويشعر بعدم الأمان، ابن حى فقير بائس، وابن بار بأسرته، تولى مسئوليتها وهو فى سن الخامسة عشرة، واقتنى لها بيتا.

أما الآخر فهو مارادونا، النجم الشهير، الذى اعتبروه إلها فى نابولى، بعد أن ساهم فى إحراز نادى المدينة بطولة الدورى مرتين، وبطولة أوروبا مرة، وهو النادى المهمش فى المدينة المهمشة المكروهة، ومارادونا أيضا هو الذى قاد بلده الأرجنتين للفوز بكأس العالم، وأوصلهم للمباراة النهائية مرة أخرى، فصار أسطورة الأساطير.

بناء الفيلم يضع «دييجو» فى صراع طوال الوقت مع مارادونا، ويقول بوضوح إن سبب المأساة أن مارادونا هو الذى هزم دييجو، صحيح أن دييجو الطفل الكبير المرح ابن أمه ظل حاضرا، ولكن مارادونا كان يذكر دييجو دوما أنه لولا الشهرة ما احترمه أحد، وما استطاع أن يحصل على المال، ولا أن يقتنى بيتا لأسرته، إننا إذن أمام بطل تراجيدى جديد ضل الطريق، ونبيل حقا، ولكنه لم يكن قادرا لا على ترويض الشهرة، ولا على ترويض نفسه.

ومثل إيمى وينهاوس، المغنية الشابة التى هوت بعد الشهرة، فإن اللاعب الأسطورة يسقط وهو فى القمة، تمتلكه عصابات الكامورا فى ميلانو، يوفرون له المخدرات والبغايا، سقط فتخلى عنه الجميع.

المادة البصرية والسمعية الهائلة تحولت هنا إلى جدارية حافلة بالدراما، لقطات قليلة بطيئة مدهشة تقترب من وجه مارادونا المدمن، يبدو وكأنه فى غيبوبة، نتذكر لحظته العظمى وهو يحمل كأس العالم، المخرج يلغى صوت الجماهير على هذه اللحظة، يضع على شريط الصوت مكالمة دييجو التليفونية مع أمه، تقول له بصوت مؤثر: «اذهب لتستريح.. لقد جعلتنى أسعد أم فى العالم».

يظهر مارادونا بعد شفائه من الإدمان، صار رجلا سمينا تاهت ملامح وجهه، يبكى وهو يقول إنه يخجل من ابنته، طوال الفيلم كان حاضرا بمهاراته الخارقة، يقول أبوه إنه عندما رأى مهارات ابنه فى الطفولة انخرط فى البكاء، ساحر حقيقى.

أحد مفاتيح الفيلم المهمة مباراة الأرجنتين وإنجلترا فى كأس العالم 1986، أحرز اللاعب الأسطورى هدفا بيده، ثم أحرز هدفا عبقريا، الأول أحرزه مارادونا الغشاش، والثانى أحرزه دييجو العظيم، الازدواجية فى مباراة واحدة.

مفتاح آخر عثر عليه الفيلم، إنها فكرة النجم والنجومية، أضواء ساطعة تعمى العيون، كل شىء فى متناول الأيدى، هذه العلاقة الملتبسة بين النجم والجمهور، صعود وهبوط، وبالعكس، البطل الخارق يصبح فى لحظة مكروها وعدوا، من يصنع من؟ النادى أم النجم؟ وما هو ثمن الصعود إلى القمة؟ كيف يمكن لأى إنسان أن يحتفظ بتوازنه وهو يرى نفسه وقد رسموه فى هيئة المسيح؟ كيف يمكن أن يتحمل الضوء الساطع دون أن يغمض عينيه؟ فإذا أغمضها تعثر ووقع!

لا يبرئ الفيلم ساحة اللاعب العظيم، يقدمه بكل نزقه وطيشه، ولكن أبدا لن تتخلص من شعور جارف بالتعاطف مع طفل انبهر بالأضواء، شخصية هروبية بامتياز، يعترف بضعفه، ثم ينكر الخيانات، ويبتكر الأكاذيب، وقبل أن نظن أن مارادونا قد قتل دييجو إلى الأبد، ينتهى الفيلم وقد اعترف اللاعب العظيم بابنه غير الشرعى فى العام 2016، بعد أن أنكره لسنوات طويلة.

«دييجو» ما زال حيا، حتى لو كان «مارادونا» هو سبب الشهرة والمجد.

التعليقات