«بي بي سي» في بئر الخيانة - أشرف البربرى - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 10:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«بي بي سي» في بئر الخيانة

نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 1:45 ص | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 1:45 ص

هل تمكن مرض الخيانة والعمالة من هيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سى) إلى الدرجة التى تبث فيها برنامجا وثائقيا عن جرائم جنود الجيش البريطانى فى كل من العراق وأفغانستان، ما دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى التلويح بفتح تحقيق فى الجرائم التى تسترت عليها وزارة الدفاع البريطانية كما ورد فى التحقيق الاستقصائى الذى شاركت فيه أيضا صحيفة «صانداى تايمز» البريطانية؟.

هل حصلت الـ«بى بى سى» على أموال من أفغانستان والعراق لكى تبيع كرامة وشرف الجندية البريطانية بهذا الشكل؟ ولماذا صمتت المخابرات البريطانية التى تدير هيئة الإذاعة البريطانية وتسيطر على سياساتها من أجل خدمة «أغراضها الدنيئة» على هذه التصرفات التى تهدد الأمن القومى لبريطانيا فى ظل الظروف الحرجة التى تمر بها البلاد؟

ولماذا لم يتحرك السير جورج سابرى المحامى المخضرم لمقاضاة هيئة الإذاعة البريطانية بتهمة الإساءة للجيش البريطانى وتعريض السلم الاجتماعى للخطر؟

وهل سيتحرك الإعلام الوطنى الشريف فى بريطانيا لكشف وجه «بى بى سى» القبيح والتمويل الأجنبى الذى تحصل عليه من أجل الإساءة لمؤسسات الدولة البريطانية؟

للأسف الشديد كل هذه الأسئلة ليس لها محل من الإعراب فى بريطانيا أو فى الدول التى تعرف معنى الإعلام الحر المستقل وأهميته. فما فعلته هيئة الإذاعة العريقة هو واجبها الحقيقى تجاه الدولة والمجتمع، ولو لم تفعل ذلك لاعتبرها البريطانيون خائنة للأمانة ولا تستحق الأموال التى يدفعها البريطانيون لتمويلها لكى تكون عينهم على الحكومة، كل الحكومة بدون استثناء.

بالتأكيد هذا الكلام لا يعنى أن العاملين فى هيئة الإذاعة أو فى غيرها من المؤسسات الإعلامية سواء فى بريطانيا أو فى غيرها من الدول المتقدمة الديمقراطية، يعملون وفق قيم الحياد والمهنية المطلقة أو لا توجد مدونات سلوك كانت سرية أو معلنة تحكم عملهم. فالعكس هو الصحيح، فأى مؤسسة إعلامية مهما كانت حرية وديمقراطية المجتمع الذى تعمل فيه محكومة بقواعد وسياسات يحددها فى المقام الأول ممول هذه المؤسسة، ثم المصالح العليا للدولة التابعة لها. غير أنه فى الدول المحترمة لا يوجد من يحتكر تحديد المصالح العليا ومقتضيات الأمن القومى للبلاد ولا من يملك الحق المطلق فى تحديد ما يجب أن يصل إلى المواطن وما لا يجب أن يصل إليه خوفا على الأمن والاستقرار.

بالطبع ستتحرك وزارة الدفاع البريطانية والجيش والحكومة للرد على ما بثته «بى بى سى» من معلومات تسىء إلى الجيش البريطانى، بل وقد تؤدى إلى محاكمة بعض رجاله أمام المحكمة الجنائية الدولية، فى سابقة لم تحدث من قبل. فهذا حق للوزارة، بل وواجب عليها، لكن هذا التحرك لن يستند إلى توجيه اتهامات التخوين والعمالة لهيئة الإذاعة وتشويه صورتها أمام الشعب باعتبارها تهدد الأمن القومى للبلاد، وإنما إلى محاولة كشف المعلومات غير الصحيحة أو الاستنتاجات غير الدقيقة التى تم بثها عن جرائم الجيش.

أخيرا، فإن هيئة الإذاعة البريطانية لها قيمها التى تعمل فى إطارها ولها أهدافها التى تسعى إلى تحقيقها، لكن المفترض بعد إذاعتها لهذا البرنامج الوثائقى، ألا تواصل النطيحة والمتردية من أهل إعلامنا الموقر اتهام هذه الإذاعة بالعمالة للمخابرات والقبض من هذه العاصمة أو تلك الجماعة لمجرد أنها استضافت شخصية معارضة جادة كانت أم هزلية، أو لمجرد أنها أذاعت تقريرا لا ترضى عنه السلطة.

التعليقات