موانع الاعتراف الباكستانى بإسرائيل - أحمد فاضل يعقوب - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يونيو 2022 11:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

موانع الاعتراف الباكستانى بإسرائيل

نشر فى : الأربعاء 22 يونيو 2022 - 9:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 يونيو 2022 - 9:25 م

ترى بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية والغربية وكذلك بعض الإعلاميين المؤيدين لاعتراف باكستان بإسرائيل أن التطورات الجارية فى المنطقة العربية، خاصة الاتفاقيات الإبراهيمية، وما قد يتبعها من تغييرات على الخريطة الجيوسياسية فى المنطقة وإعادة الترتيبات والتحالفات، فضلا عن ازدياد الضغوط على باكستان سواء من الولايات المتحدة، أو من بعض الأطراف الإقليمية المشاركة أو المؤيدة لهذه الاتفاقيات، قد تؤدى إلى اعتراف باكستان بإسرائيل، إلا أننى أرى أن لباكستان دائمًا حسابات ودوافع ومصالح أخرى تعد موانع رئيسة أمام إمكانية حدوث هذا الاعتراف على الأقل فى المدى القريب ومنها ما يلى:

1ــ حساسية الرأى العام الداخلى الباكستانى لأى تحول فى الموقف التاريخى المؤيد للقضية الفلسطينية وحساسيته بشكل أخص إزاء قضية القدس، وهذا الرأى العام لا يزال حديث العهد بصيحات الجهاد والمقاومة التى كانت تدوى فى الجارة أفغانستان وفى المناطق الحدودية معها على مدى العقود الأربعة الماضية، وهناك قاعدة كبرى من رجال الدين والمدارس الدينية وأتباعهم فضلا عن التنظيمات المتطرفة، والتى سيكون لها موقف غاضب كل الغضب إزاء أى تحول أو تغيير نحو الاعتراف بإسرائيل.

2ــ قضية كشمير: وهى القضية المركزية فى سياسة باكستان الخارجية، وقد اعتادت باكستان أن تربط فى عقيدتها السياسية والعسكرية بين قضية كشمير والقضية الفلسطينية من خلال عناصر التشابه بينهما، وأن ما تفعله إسرائيل من ممارسات عنيفة كسلطة احتلال فى حق الشعب الفلسطينى هو نفسه ما تقوم به الهند ضد الكشميريين فى الجزء الذى تحتله، وأن سياسة كل منهما فى تغيير الطبيعة الديموغرافية إزاء السكان فى الأراضى المحتلة واحدة، وتدرك باكستان لذلك أنها إذا ما تنازلت فى مواقفها تجاه القضية الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل قبل إنشاء الدولة الفلسطينية القادرة المستقلة وعاصمتها القدس، فسيؤدى هذا قطعًا إلى تراجع التأييد لقضية كشمير، خاصة فى الدول المسلمة غير العربية، كما سيعنى بالتبعية إمكانية تنازلها عن مساندة قضية كشمير كذلك، وهو ما لا تريده باكستان.
• • •
3ــ الدافع الهندى: فى إطار العداء التاريخى بين باكستان والهند، وعدم حل قضية كشمير بينهما، والتوترات التى تصل إلى تبادل إطلاق المدفعية على خط السيطرة بينهما، من وقت للآخر، فقد نظرت باكستان لتزايد علاقات التعاون الاستراتيجى بين نيودلهى وتل أبيب منذ بدء علاقتهما الدبلوماسية فى 1992، وتكثيف علاقات التعاون العسكرى والأمنى بينهما على وجه الخصوص، على أنه عمل عدائى ضدها، وقد زاد ذلك من شكوك وتوجس باكستان إزاء إسرائيل، الأمر الذى يباعد بينها وبين الاعتراف بها فضلا عن تطبيع العلاقات معها.

على الرغم من أنه لم تحدث أى مواجهة عسكرية مباشرة بين باكستان وإسرائيل، إلا أن إعلان باكستان عن تطوير برنامجها النووى، منذ سبعينيات القرن الماضى فى عهد رئيس وزرائها على بوتو، قد جعل إسرائيل تعتبر أن محيط أمنها القومى يمتد إلى باكستان، بالرغم من أن هذا البرنامج النووى الباكستانى كان موجها أساسا تجاه الهند وليس ضد إسرائيل، كما أن باكستان تدرك أن إسرائيل قد حاولت تقويض برنامجها النووى، باستهداف وتهديد الشركات الألمانية والسويسرية المتعاونة مع باكستان فى تطوير برنامجها النووى، كما خططت لاغتيال العالم الباكستانى عبدالقدير خان الملقب بأبو القنبلة النووية الباكستانية، كما حاولت ضرب مركز الأبحاث النووى الباكستانى فى كاهوتا بالتعاون مع الهند فى عام 1984، لولا حدوث اختلاف بين إسرائيل والهند حول موضوع هبوط الطائرات الإسرائيلية المكلفة بتوجيه الضربة فى الهند للتزود بالوقود والانطلاق منها وفضلت أنديرا غاندى عدم التورط فى هذه الضربة المزمعة فى ضوء رسائل باكستان التحذيرية للهند من مغبة القيام بذلك لأنها، أى باكستان، سترد بتدمير مركز الأبحاث النووية فى Bhabha فى الهند وبشكل أعنف. ولذلك لم يكن غريبا أن يشارك بعض الطيارين الباكستانيين فى حرب 1973 على الجبهة السورية وأدوا أداء بطوليًا بكفاءة قتالية عالية يعتز بها القادة الباكستانيون، وقد حدثنى قائد القوات الباكستانية السابق الفريق طيار «مجاهد أنور خان» عن هذه المشاركة بكل الاعتزاز والفخر.

4ــ العلاقات مع إيران: تحاول باكستان دائمًا اتباع سياسات إقليمية متوازنة بينها وبين إيران من جانب ومع السعودية والإمارات من جانب آخر، وذلك بالنظر لأهمية إيران بالنسبة لها والتى تتشارك معها فى حدود طولها 832كم، وأهمية تأمينها وعدم الرغبة فى أى توتر معها قد يؤدى لفتح جبهة جديدة، حيث يكفيها أهمية تأمين حدودها مع الهند المعادية من جانب، ومع الجارة الأخرى أفغانستان المضطربة من جانب آخر، كما إنها تأخذ فى اعتبارها دائما أهمية المكون الشيعى الداخلى الذى يقدر بنحو 15ــ25% من عدد سكانها. ومن ثم فدخول باكستان فى علاقات اعتراف بإسرائيل فى ظل التحولات الحالية سيغضب جارتيها إيران وأفغانستان معًا، وسيجعل أى نظام سياسى باكستانى يقدم على هذه الخطوة فى موقف لا يحسد عليه أمنيًا واستراتيجيًا.
• • •
لذلك، وفى ضوء كل ما سبق، فإننى أقدر أنه أيا كانت التطورات الحالية فى المنطقة، وعلى المدى المتوسط، بين الدول العربية وإسرائيل عقب ما يسمى الاتفاقات الإبراهيمية وتوابعها، حتى وإن زاد عدد المنضمين لها، وأيًا كانت الضغوط التى ستُواجِهها باكستان سواء من قوى إقليمية أو دولية، وحتى مع صعوبات وضعها الاقتصادى الحالى، فسيكون من غير المُرجح تصور اعتراف باكستان بإسرائيل والتحول عن موقفها التاريخى الثابت.

أحمد فاضل يعقوب مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر السابق لدى باكستان
التعليقات