«خلف خطوط الذاكرة».. لماذا الأحلام دائمًا مؤجلة؟! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 1:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«خلف خطوط الذاكرة».. لماذا الأحلام دائمًا مؤجلة؟!

نشر فى : السبت 22 يونيو 2024 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 22 يونيو 2024 - 7:35 م

(1)

أنا من هواة قراءة السير الذاتية فى الثقافة الإنسانية عموما، والأدب العربى على وجه الخصوص منذ زمن بعيد. كتابات السيرة الذاتية من أقرب فنون السرد والكتابة إلى روحى، وعقلى، انغرست محبتها فى قلبى منذ سنواتى الأولى المبكرة مع القراءة، أُغرمت غرامًا حقيقيّا بكل النصوص التى أنتجها كتابنا ومفكرونا الأوائل فى مجال السيرة الذاتية؛ فلكل منها مذاق وطعم وطابع وبصمة..
(2)
عمومًا، لا أريد أن أستطرد فى «التنظير» و«التأريخ» لكتابة السير الذاتية فى التراث الإنسانى، وفى الثقافة العربية، فهذا أمر يطول يشرحه، وليس هذا مقامه ولا مناسبته، إنما أردت فقط التمهيد للحديث عن هذه السيرة الممتعة التى سعدتُ بصحبتها فى أيام العيد، الصادرة أخيرًا عن (دار ريشة للنشر والتوزيع)، بعنوان «خلف خطوط الذاكرة ـ سيرة ذاتية لجيل الأحلام المؤجلة»، لصاحبها الدكتور خالد منتصر، أحد دعاة العلم والنور والعقلانية فى مواجهة الجهل والخرافة واستغلال الدين والتجارة به،
أحد الذين واجهوا بشجاعة ضلالات وأوهام تيارات العنف والإرهاب، وأنصارهم، لم يخش عنفهم وشراستهم تارة بالسب وتارة باللعن وتارة بالقذف والسب والتهديد معا، ولم يلن أو يضعف أو يتراجع عن إصراره فى تبديد الجهل وكشف العوار وإضاءة مساحات من قضايانا المعاصرة وهمومنا الملحة فى ضوء العلم، وفى ضوء الفكر، وفى ضوء العقل، كأنه فى ذلك يمارس الدور ذاته الذى مارسه العلماء والمثقفون والمفكرون فى بواكير عصور النهضة.
تأتى هذه السيرة فى مرحلة نضج وتأمل مشوار العمر بعد عقودٍ ستة عامرة بالحياة والمعارك والانفعالات والصدمات والمواجهات، عقود ستة من الخبرات والممارسات والرؤى والتصورات، تشكلت وتكونت على مهل، نضجت على نيران الواقع ومآسيه، وترسبت فى روحه خلاصة معتقة من سبيكة فريدة من هذا الخليط يمكن إيجازها فى الإيمان بالعلم، الإيمان بالعقل، الإيمان بالإنسان.
فكان هذا الثالوث هو القاعدة «الأساس» التى انطلق منها خالد منتصر فى مواجهة تيار الحياة وعواصفها وزوابعها معًا!
(3)
شبَّ خالد منتصر فى أجواء السبعينيات العصيبة الحارة اللاهبة قبل دخوله الجامعة، واكتملت فترة تكوينه وثقافته الأولى فى الثمانينيات، وعاين عقد التحولات الكبرى التسعينيات (ما زلتُ عند ظنى بأن الثمانينيات مهدت للتسعينيات التى كانت العقد الذى جرَت فيه رياح التغيير والتحول التى نعيش بعضًا من آثارها العميقة منذ 2011 وحتى الآن).
يطرح خالد منتصر الأسئلة الحارقة بلا نموذج إجابة؛ أسئلة شائكة «صعبة» يطرحها فى صورة وقائع وأحداث وليس آراء وتفسيرات! خالد منتصر يسرد الحادثة أو الواقعة دون أن يترجمها استفهامًا صريحًا فهى بذاتها سؤال جارح على ما كان وما سيكون!
أخطر ما فعله خالد منتصر - ويفعله - هو طرح الأسئلة على أجنحة المجاز التى تدق بعنف على الوعى «المستنيم» المخدر المأخوذ بالدخان الأزرق المغيب للعقل والتفكير والنظر، «الوعى المعتقل» منذ قرون أسير الفكر الواحد، والنظرة الواحدة، والنسخة الواحدة، و«الحقيقة المطلقة الواحدة!».
4)
وهذه السيرة الخطيرة على كثافتها (لم تتجاوز المائة والخمسين صفحة من القطع الأقل من المتوسط) وضعت يدها باقتدار وجسارة على ما أصاب البنية الذهنية أو البنية النفسية للمصريين فى سبعينيات القرن الماضى، وما تلاها. وقد كانت السبعينيات العقد الذى جرى فى اللعب والتلاعب «بالسوفت وير» الفطرى للمصريين!
رصد خالد منتصر لحظة التحول المقيتة فى الجامعة المصرية عندما سلمتها إدارة الدولة آنذاك لطلاب التيارات الإسلامية لقمة سائغة فارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم عنف وإرهاب، وخربوا ما خربوا من نفوس وعقول وشوهوا ما شوهوا من إنسانية أجيال بأسرها، وبقى أثر جرائمهم حتى اللحظة لم يمح!
لكن الأخطر من حوادث العنف والاعتداء على الطلاب ومنع الحفلات والاختلاط وإجبار الجميع على الالتزام بما يريدون فرضه من طقوس وشكليات وأوامر ونواه.. أقول إن الأخطر كان التسلل إلى بنية إدارة الكليات وأعضاء هيئات التدريس، وسيطرتهم عليها كليا.
النموذج الأجلى كان فيما يسمى كليات القمة، ويقدم منتصر شهادته الخطيرة بمنظاره العقلى الباتر ويرصد كيف ضرب السوس جذر المؤسسة، يرصد التحولات الدقيقة والتراتبيات التى كرست لسلطة الأساتذة علميا وعرقيا وعنصريا، سجل شهادته بأمانة ونزاهة على الرعب الذى أشاعه «أساتذة» (بصيغة التنكير وليس التعريف حتى لا يتهمنا أحد بالقصدية والتحديد والشمول) فى هذه الكلية التى تعادل دولة بأكملها!
(5)
لو كنا مخلصين فعلا وجادين فعلا فى معالجة أزماتنا وتشخيص أمراضنا فأتصور أن وضع هذه النصوص والسير الذاتية تحت مجهر الفحص والدراسة الدقيقة، وليس القراءة والإشادة والإعجاب فقط سيكون نقطة انطلاق صحيحة وسليمة للتشخيص أولًا، ووضع اليد على مواضع الخلل والتسوس ثانيا، ثم اتخاذ ما يلزم للعلاج الجذرى ثالثًا.