حكاية نافورة - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الإثنين 5 ديسمبر 2022 7:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار المجلس الأعلى للإعلام بشأن فحص تجاوزات قناة الزمالك بعد حلقات رئيس النادي؟

حكاية نافورة

نشر فى : الإثنين 22 أغسطس 2022 - 8:45 م | آخر تحديث : الإثنين 22 أغسطس 2022 - 8:45 م
فى سنة 1953 أنتجت هوليوود الفيلم الذى صار علامة فارقة فى تاريخ السينما «Roman holiday» من إخراج المخرج الكبير وليم وايلدر، ويحكى قصة أميرة أوروبية ذهبت إلى روما مع أسرتها المحافظة المتمسكة بالتقاليد الأرستقراطية، فحددوا إقامتها فى قصر الضيافة المقيمين فيه لحمايتها من الاحتكاك بالعامة ومن عدسات المصورين الذين عرفوا لاحقا باسم البباراتزى، وبعد أيام ضاقت الأميرة، التى قامت بدورها أيقونة السينما أودرى هيبورن فى أول ظهور لها على الشاشة الفضية، من حبستها فهربت لتشاهد المدينة وقابلت الصحفى الأمريكى الشاب الذى قام بدوره العملاق جريجورى بك وأخذها فى جولة بالمدينة على الفسبا وقاموا سويا بجولة حول نافورة تريفى «Trevi Fountain». وارتفعت بسبب هذا المشهد مبيعات الفسبا وانتشرت فى بلاد العالم وحصل الفيلم على جائزتى أوسكار، الأولى لأحسن ممثلة لأودرى هيبورن والثانية لأحسن قصة التى كتبها دالتون ترمبو.
فى العام التالى 1954 أنتجت شركة فوكس للقرن العشرين الفيلم الجميل «Three coins in the fountain» من إخراج المخرج
الأمريكى ذى الأصل الرومانى «Jean Negulesco» وهو مخرج عتيد أخرج فيلمين لمارلين مونرو هما: الرجال يفضلون الشقراوات، ونهر بلا عودة كما أخرج أول فيلم عن الباخرة تيتانيك سنة 1953. وتدور قصة الفيلم عن ثلاث سكرتيرات أمريكيات يعملن فى روما التقوا بثلاثة رجال. اختارت هوليوود اثنين من أكثر الرجال الذين ظهروا على الشاشة وسامة هما الفرنسى «Louis Jordan» والإيطالى «Rosano Brazi»، وترتبط الفتيات بقصص حب مع الرجال ويذهبون سويا إلى نافورة تريفى ليلقوا عملات معدنية لتتحقق أمانيهم ويجمع الحب قلوبهم. وفى خلفية اللقطة يغنى أسطورة الغناء الأمريكى فرانك سيناترا أغنية الفيلم «Three coins in the fountain» التى كتب كلماتها «Sammy Cahn» ولحنها «Jule Styne» التى حصلت على أوسكار أحسن أغنية. وحصل الفيلم على أوسكار ثانية لأحسن تصوير سينمائى كما رشح لأوسكار أحسن فيلم إلا أنه خسر الجائزة التى فاز بها فيلم «On the waterfront» لعملاق الإخراج «إيليا كازان» بطولة النجم الشهير «مارلون براندو».
وتعود الكاميرات مرة أخرى فى عام 1960 إلى نافورة ترفى، هذه المرة مع المخرج الإيطالى الفذ «Federico Fellini» الشهير وأهم مخرجى إيطاليا الذى رشح لأوسكار أحسن فيلم أجنبى ست عشرة مرة وفاز بها أربع مرات. والفيلم الذى فاز بجائزة السعفة الذهبية d’or Palme فى مهرجان كان السينمائى هو فيلم الحياة «الحلوة» «La dolce vita» الذى قام ببطولته النجم الإيطالى الوسيم «Marcello Mastroianni» أمام نجمة الإغراء السويدية الشقراء «Anita Ekberg» التى رغم إمكانياتها التمثيلية المحدودة إلا أنها خلدت اسمها بمشهد نزولها للسباحة عارية فى نافورة تريفى.
• • •
ما هى نافورة تريفى وما سبب جاذبيتها للسياح ولصناع السينما؟ أخذت اسمها من الكلمتين اللاتينيتين «tre» أى ثلاثة و«vi» أى طريق لأنها بنيت فى موقع التقاء ثلاثة من الطرق الرومانية القديمة، بنيت النافورة فى القرن 18 بأمر من البابا كليمنت الثانى عشر، صممها وبدأ فى بنائها المعمارى «Nicola salvi» الذى مات قبل انتهائها حيث استغرق بناؤها ثلاثين سنة من 1732 حتى 1762، فأكمل بناءها «Giuseppe Pannini»، وصممت على طراز الباروك ويتوسطها تمثال للإله الإغريقى «Oceanus» أو المحيط وهو فى الأساطير الإغريقية النهر العظيم المحيط بالأرض التى كانوا يرونها مسطحة يحيط به تمثال يمثل «Salubrity» رمزا للعنفوان والصحة و«Abundance» أو الوفرة عنصرى السعادة فى الفكر الإغريقى. والنافورة عمل فنى رائع وبديع كما أنها عمل ضخم ومهيب إذ بلغ ارتفاعها 26 مترا وعرضها 49 مترا وانتشر الاعتقاد الرومانسى بأن إلقاء عملة معدنية فيها يحقق أمانى العشاق والمحبين، وتقدر بلدية روما حجم العملات التى تلقى فى النافورة بثلاثة آلاف يورو يوميا أو ما يقارب المليون وربع مليون دولار سنويا وتقوم البلدية بجمع العملات بصفة دورية حتى لا يمتلئ بها حوض النافورة وتسلمها لمنظمة «Caritas» التابعة للكنيسة الكاثوليكية لتنفقها على الأعمال الخيرية.
نافورة واحدة ماذا قدمت لإيطاليا؟ لن أذكر قيمة العملات الملقاة فيها، فهذا نزر لا يذكر من بحر كبير. دعاية جلبت سياحا أنفقوا الملايين تمجيدا للفن والحضارة الإيطالية ولا بد أن نذكر هنا أيضا ما قدمته إيطاليا من أجل إبراز هذه الأيقونة بتسهيلات لصناع السينما بتصويرها دون تعقيدات إدارية جمركية وأمنية. ومن خلال سردى لقصة نافورة تريفى تنبهت إلى أن القاهرة أصبحت مدينة تفتقد إلى واحدة من أهم أدوات الجمال الحضارى النافورة.
كان لدينا عدد من النافورات الجميلة تزين القاهرة وتزيدها رونقا وبهاء، كانت نافورة ميدان رمسيس التى وقف فوقها الفرعون العظيم ينظر إلى المياه المتدفقة من النافورة وكأنه يتفقد اندفاع مياه الفيضان إلى بحيرة معبده المقدسة وأعطت محطة مصر بطرازها الأندلسى البديع زادت النافورة جمالا وبهاء، ولكن للأسف فلم يعمر هذا الجمال طويلا وأقمنا كوبرى 6 أكتوبر ليلف حول الفرعون وينال من هيبته حتى هرب الفرعون من الميدان والتجأ إلى قلعته فى المتحف الجديد علها تحميه.
نافورة أخرى كانت تزين ميدان الأوبرا تحيط بها الأوبرا الخديوية التى اتخذت من أوبرا لاسكالا الإيطالية مثالا يحتذى وأمامها تمثال إبراهيم باشا على جواده وفى الخلفية فندق كونتيننتال العريق الذى كان من أفخم فنادق القاهرة. احترقت الأوبرا وأقيم مكانها جراج متعدد الطوابق آية فى القبح وتحول فندق الكونتيننتال إلى أطلال وأزيلت النافورة مع إعادة تخطيط الميدان. كانت هناك نافورة فى ميدان التحرير ضاع بهاؤها فى فترة عشوائية الميدان ثم أزيلت. صحيح أن ميدان التحرير فى ثوبه الجديد أصبح قبلة للجمال إلا أنه للأسف يخلو من نافورة.
أقمنا فى عام 1956 نافورة فى النيل تضارع نافورة بحيرة جنيف فى وقت كانت النافورات فى الماء لا زالت فكرة رائدة ثم أهملت وتعطلت لمدة تزيد على أربعين سنة وأعلن عن إعادة تشغيلها أخيرا إلا أنى كلما مررت على النيل لا أراها تعمل. وكان لدينا فى ميدان روكسى بمصر الجديدة نافورة ضخمة وجميلة أزيلت عند إعادة تخطيط الميدان.
ولعل أغرب مصير آلت إليه نافورة هو مصير نافورة ميدان العباسية التى صارت فى وسط طريق السيارات فأحاطوها بسور من الأسياخ الحديدية فأصبحت أشبه بالأقماع البلاستيكية التى يستخدمها المرور لإغلاق المسالك!
• • •
لا تخلو عاصمة عريقة أو مدينة لها تاريخ من نافورات تزينها، فنجد فى باريس نافورة سان ميشيل ونافورة ميديتشى، وفى مدريد نافورة نبتون ونافورة الملاك الواقع ونافورة ميدان الطرف الأغر ونافورة ميدان بيكاديلى فى لندن وغيرها الكثير.
هل يعقل أن تخلو قاهرة المعز التى يتجاوز تاريخها الألف عام من نافورة واحدة؟!. إنى أكاد أدعو من خلال قلمى إلى اكتتاب عام لإقامة نافورة جميلة، تقام مسابقة بين الفنانين والفنانات لتصميمها واختيار المكان المناسب لإقامتها.
لعل ملحوظتى الأخيرة قبل الختام هى أنى حرصت على تعريف القارئ والقارئة بهوية مصممى ومنفذى نافورة تريفى وقد حاولت فأضنانى البحث عن أسماء مصممى ومنفذى نافورات القاهرة دون أن أجد ما يدلنى عليهم وأناشد القراء إن كان لدى أى منهم معلومة تفيدنى فى بحثى أن يزودنى بها وله الشكر.


محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية
التعليقات