ليس كل العاملين بالمحليات فاسدين - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الجمعة 27 نوفمبر 2020 1:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

ليس كل العاملين بالمحليات فاسدين

نشر فى : الخميس 22 أكتوبر 2020 - 8:45 م | آخر تحديث : الخميس 22 أكتوبر 2020 - 8:45 م

قبل أيام قال لى أحد العاملين فى قطاع المحليات: «أنت دائم الاتهام لهذا القطاع والعاملين فيه وتصويره باعتباره فاسدا من ساسه لراسه، وأنه سبب المصائب الوحيد فى كل ما حل بمصر من مشكلات»؟!
وردى على هذا الكلام أننى لم أقل ذلك، ولا أؤمن إطلاقا بالتعميم وأراه الآفة والعيب والخطأ الأبرز بل أحد أكبر المصائب فى الثقافة العربية الراهنة.
نعم هناك مشاكل موجودة فى كل القطاعات، وليست قاصرة على قطاع المحليات فقط. وربما تكون الصورة أسوأ داخل هذا القطاع لأسباب يطول شرحها.
لكن المؤكد أن هناك شرفاء كثيرين داخل هذا القطاع وتعاملت مع بعضهم، وهم يعانون كثيرا من شيوع ظاهرة التعميم التى تتعامل مع أى موظف فى المحليات باعتباره لصا إلى أن يثبت العكس!!
المشكلة الحقيقية هى شيوع ثقافة الفساد والإفساد واعتقاد عدد كبير من الناس أن الرشوة البسيطة أو الكبيرة هى أمر عادى لتحسين الدخل وسط مصاعب الحياة الكبيرة!!
فساد الموظف يبدأ حينما يعتقد أن «العشرين جنيها المكرمشة، هى مجرد إكرامية بسيطة مقابل ابتسامته أو تسهيله لمعاملة المواطنين». هذه العشرين جنيها هى البذرة الأولى التى تقوده لطلب الملايين لتمرير رخصة غير مستحقة أو تجاهل لخطأ قائم.
وصرنا نرى إصرارا من بعض عاملى البوفيه على طلب هذه الإكراميات علنا، لمجرد أنه يناولك الورقة من الموظف المختص!!
بعض المواطنين يساهم بقصد أو بدون قصد فى عملية الفساد حينما يبادر بتقديم الرشوة أو الإكرامية، وحينما يفعل ذلك فإنه يجعل الموظف يعتقد أن ذلك صار حقا مكتسبا، وبالتالى فإن من يدفع الثمن هو القيم العامة والمواطن الفقير غير القادر على تقديم الرشوة.
نأمل أن يساهم قانون اشتراطات البناء الجديد فى القضاء على ثقافة الفساد والإفساد، التى أراها توسعت بصورة لافتة جدا بدأت مع سياسة الانفتاح الاقتصادى عام ١٩٧٤، وما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن.
حينما نبرز وجود عدد من رؤساء الأحياء، وكبار الموظفين بالمحليات بل وبعض المحافظين داخل السجون هذه الأيام، فهو أكبر دعم للملتزمين والأسوياء بأنهم اختاروا الطريق الصحيح، وهو أكبر تحذير وتنبيه لأى شخص يفكر فى الارتشاء والفساد والإفساد.
وقائع الفساد ليست موجودة فقط فى المحليات. معظم القطاعات تعانى من هذه الظاهرة الموجودة مع معظم بلدان العالم، ولكن بدرجات متفاوتة حسب درجة المتابعة والمراقبة والمساءلة والمحاسبة والمعاقبة.
يندر أن تدخل مصلحة حكومية أو حتى غير حكومية فى مصر ولا تجد فيها فاسدا، أو قابلا للإفساد، لكن للموضوعية ستجد فيها الموظف والمسئول الأمين والمحترم والملتزم.
قرأت كثيرا عن موظفين كبار وصغار فى قطاع المحليات رفضوا عروضا مغرية بالرشاوى الضخمة، كانت كفيلة بوضعهم فى خانة الإثراء السريع مقابل توقيع بسيط على ورقة أو شهادة أو رخصة. بعضهم كان فى أمس الحاجة إلى جنيه واحد لكنهم انحازوا إلى ضمائرهم وتربيتهم وأخلاقهم.
مثل هذه الفئة يفترض أن نسلط الضوء عليها وندعمها ونشجعها دائما، مقابل تسليط الضوء أيضا على «الفئة الباغية» داخل قطاع المحليات، التى اغتنت من الحرام وعلى حساب قوت وصحة وسلامة وحياة ملايين المصريين.
قبل أيام ذهبت إلى مستشفى المنيرة العام لتوقيع الكشف الطبى لتقديمه إلى مجلس الشيوخ. كان هناك تأخير طويل فى وصول نتيجة كشف المخدرات من المعامل المركزية. أحد الموظفين ذهب معى، وبذل جهدا كبيرا ليس مطلوبا منه، حاولت أن أقدم له أى شىء فرفض بإصرار قائلا: «إنه فعل ذلك إحساسا منه بأننى أحتاج الورقة فورا». فرحت كثيرا وحمدت الله أن هناك مثل هذه النماذج.
أعتقد أن الإعلام مطالب طوال الوقت بوضع النموذجين أمام الناس، الموظف أو المهندس أو رئيس الحى الشريف الرافض للواسطة والرشوة والمحسوبية، وأمامه الموظف والمهندس ورئيس الحى المرتشى.
حينما يتم إبراز خبر القبض على بعض المهندسين ورؤساء الأحياء الفاسدين فهو أكبر رادع للفساد والأهم أكبر تعزيز للملتزمين والمحترمين.
تحية لكل موظف شريف فى المحليات.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي