العودة إلى «النحت فى الزمن» - سيد محمود - بوابة الشروق
الخميس 15 أبريل 2021 4:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

العودة إلى «النحت فى الزمن»

نشر فى : الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 8:30 م
هناك كتب تحفر مكانا فى الذاكرة مثل ذكريات الحب الأول فلا ينقضى أثرها أبدا، وتبقى لحظة تصفح أوراقها مصحوبة برعشة كتلك التى ترافق السفر للمرة الأولى. وهناك الكثير من الكتب التى احتفظت عندى بمكانة تدفعنى دائما لمطاردتها فى مختلف الطبعات، انظر لها وأتأملها وأستعيد ذكرياتى معها بسعادة غامرة وربما بأسى لا حدود له.
ومن بين تلك الكتب كتاب «النحت فى الزمن» للسينمائى العظيم اندريه تاركوفسكى الذى تمر هذا العام الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيله وما دفعنى للعودة إليه اقتناء طبعة جديدة من الترجمة العربية التى أنجزها الروائى البحرينى القدير أمين صالح وأعادت دار ميريت طباعتها بعد سنوات من اصدار طبعته الأولى.

ولا أزال أتذكر الانطباع الذى خرجت به عقب القراءة الأولى فقد أجريت آنذاك اتصالا مع الروائى الكبير إبراهيم أصلان وحدثته عن الكتاب الذى كان ينقل بالضبط وجهة نظره فى قضايا كثيرة تخص مشكلات التعبير الفنى وهى واحدة من أهم الأمور التى شغلت الكاتب الراحل وكانت تفسر بوضوح قلة إنتاجه الأدبى على الرغم من غنى تجربته الإنسانية وربما تشابه فى هذه المساحة مع تاركوفسكى الذى أخرج طوال مسيرته الفنية ــ 25 سنة تقريبا ــ سبعة أفلام فقط، إلا أن كل فيلم منها كان يعد حدثا فنيا بحد ذاته.

ولأنى كنت أعيش خارج مصر وقتها فقد تركنى صاحب «مالك الحزين» أعيد وأزيد فى الحديث عن جمال الكتاب الذى كتبت عنه يومها ثم سألنى: «خلصت» فقلت: «نعم» فقال: «اقرأ مقالى فى الأهرام بكرة يا سيدى عن الكتاب اللى هوسنى زيك بالضبط».

ولد هذا الكتاب الجميل عقب رسالة كتبتها امرأة من غوركى ووجهتها إلى تاركوفسكى بعد أن شاهدت فيلمه «المرأة»، كتبت فيها: «أشكرك على الفيلم، طفولتى كانت كذلك.
احساس مدهش كان يملأ روحى كلها... لكن كيف عرفت ذلك؟ وأنا أنظر إلى الشاشة المضاءة بموهبتك، شعرت للمرة الأولى فى حياتى بأننى لست وحيدة».

ويتضمن الكتاب مجموعة من اليوميات والانطباعات التى سجلها فى سياق رغبته فى «تعزيز التواصل مع الجمهور» وقد توصل إلى هذه التأملات بعد استجوابات قام بها للنظريات السينمائية السائدة، ومن خلال الرغبة فى التعبير عن فهمه الخاص للقوانين الأساسية للشكل الفنى الذى صار جزءا من تجربته التى حاول فيها البحث عن حلول تأتى من أجناس ابداعية أخرى مثل «الرواية الأدبية» أو اللوحة التشكيلية، ما يزكى لدى القارئ فكرة «التجاور» بين مختلف الانواع والاجناس الابداعية .

وبفضل هذه المرجعيات الأدبية يلجأ لإضاءة أفكاره باستعمال نصوص لدوستويفسكى وتولستوى وجيمس جويس وبروست، ولا يمل كذلك من الاشارة إلى الاعمال التشكيلية التى يمكن اعتبارها أحد المداخل المهمة للتعامل مع أفلامه. وهو فى أحيان أخرى يلجأ إلى اعمال سينمائية لتوضيح الفكرة لا سيما من أفلام لويس بونويل وبرغمان باعتبارهما «الأقرب اليه» وينظر بخاصة إلى بونويل بوصفه «حامل الوعى الشعرى» فيما يقرأ اعماله بوصفها «نتاج كراهية شديدة للبنى الميتة.

وفى سياق الحديث عن السينما الشعرية تتكرر فى الكتاب الاشارة إلى «قصائد الهايكو اليابانية» التى يعتبرها تاركوفسكى اكثر الانماط الشعرية قربا من السينما كما أنها مثال نادر فى القدرة على رصد الحياة فى شكل صاف وخالص.

وعبر الكتاب تصل للقارئ رسائل كثيرة من تاركوفسكى الذى يحذر من «الكليشيه» الذى يلجأ اليه بعض المخرجين لكبح خيال المتفرج عبر استنساخ مشاهد تقليدية ألفها المتفرج فى معظم المواقف الدرامية، مشيرا إلى ان الروائع الفنية تولد من نضال الفنان للتعبير عن مثله الاخلاقية. واذا كان الفنان جادا فى سعيه نحو تعزيز قيمة الحياة، لن تكون هناك خطورة فى مرور صورة الواقع عبر «فلتر» مفاهيمه الذاتية نظرا لأن عمله سوف يكون دائما محاولة روحية تتوق إلى جعل الإنسان أكثر كمالا، فالفن كما يراه هو «توق إلى المثال».

يرى تاركوفسكى أن الفنان هو السيد وهو «خادم» أيضا دائما عليه أن يدفع ثمن موهبته. فلا معنى من وراء القول إن الفنان يعمل بقصد «التعبير عن الذات» اذ إن هذا التعبير يظل دائما يحتاج إلى أن يلقى استجابة من الآخرين.

ويشبّه تاركوفسكى المتفرج فى صالة العرض بالباحث عن «الزمن المفقود» ويعرّف الصورة السينمائية بأنها هى أساسا رصد لوقائع الحياة داخل الزمن. ويتساءل عن طبيعة عمل المخرج مؤكدا أن هذا العمل هو «النحت فى الزمن» فما يفعله صانع الفيلم شبيه تماما بما يفعله النحات الفارق يكمن فى طبيعة المادة الخام فقط.