سحر الحب - داليا شمس - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 2:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


سحر الحب

نشر فى : السبت 23 أكتوبر 2021 - 7:55 م | آخر تحديث : السبت 23 أكتوبر 2021 - 7:55 م

المدينة جميلة وهادئة، مبانيها تشبه قطع السكاكر الملونة. كل شيء فيها مؤهل لاستقبال قصة حب رائقة، تجمع بين سوان وفرانس، بطلى فيلم "كوبيليا"، وهو معالجة درامية معاصرة للباليه الشهير الذي يحمل الاسم نفسه والذي يرجع تاريخ تقديمه لأول مرة إلى نهاية القرن التاسع عشر. الفيلم الذي عُرض مؤخرا بمهرجان الجونة في إطار المسابقة الرسمية للأعمال الروائية الطويلة هو ثمرة تعاون إنتاجي ضخم غير مسبوق في مجال أفلام التحريك، وتجربة فنية فريدة تجمع بين الرسوم المتحركة المنفذة بتقنيات ثنائية وثلاثية الأبعاد وبين الأداء الراقص المباشر للفنانين المشاركين الذين ينتمون لعدة دول منها البرازيل وأمريكا الشمالية وإنجلترا وإيطاليا وروسيا. أما الإنتاج فهو مشترك بين أربع شركات هولندية وإنجليزية وألمانية وبلجيكية.
بطلة الفيلم الراقصة الأمريكية اللامعة ميكايلا دي برنس ترجع أصولها إلى سيراليون، وهي قصة ملهمة في حد ذاتها إذ وصلت إلى العالمية رغم ظروفها الصعبة بعد أن فقدت والدها في الحرب الأهلية ببلادها وماتت أمها من الحمى، ونشأت بدار للأيتام وأصيبت بمرض البهاق الذي نلمح بعض آثاره الخفيفة على رقبتها، إلا أنها صارت واحدة من نجمات فن الباليه القليلات ذوات البشرة السوداء. نراها تطير بخفة من طاولة إلى أخرى بالمقهى الذي تعمل به، تتابعها حركة الكاميرا ببراعة وتطير معها. نلمح في عينيها سحر الحب والانجذاب إلى صاحب محل الدراجات الذي يعيش في الجوار. يرقصان معاً على موسيقى ألفها خصيصا للفيلم الملحن والموزع الإيطالي، موريزيو مالانياني، الذي اشتهر بأعماله الناجحة للتليفزيون والسينما، وهي موسيقى تختلف عن تلك التي كتبها للباليه الأصلي الفرنسي ليو ديليب، وإن استلهمت روحها.
•••
مزجت موسيقى الفيلم بين الكلاسيكية والمعاصرة، على غرار المعالجة الدرامية الجديدة لكوبيليا التي أبدعها مصمم الرقصات ومدير فرقة الباليه الوطنية الهولندية، تيد براندسون، وقدمها في البداية على المسرح عام 2008. أعجب بها المخرجون البلجيكيون الثلاثة، المتخصصون في فنون التحريك: ستيف دي بول وبن تيسور وجيف تيودور، وقرروا تقديمها في فيلم استغرق تنفيذه ثلاث سنوات، على أن يكون باليه سينمائيا، يعتمد على الموسيقى والرقص والرسوم المتحركة، دون كلمات أو حوار.
احتفظت المعالجة الحديثة بالخطوط العريضة لقصة إرنست هوفمان "رجل الرمال" المأخوذ عنها الباليه في الأساس، وهي تروي حكاية شاب ينجذب نحو فتاة يراها من بعيد على الشرفة، دون أن يعرف أنها دمية خشبية ذات عينين من الميناء صنعها شخص يدعى كوبيليوس وحلم أن تدب فيها الحياة. لذا سيحاول أن يستغل مشاعر الشاب تجاهها كي يسلبه روحه ويبثها فيها. في الفيلم يتحول كوبيليوس إلى طبيب تجميل يأتي إلى المدينة في سيارة فارهة عليها حرف C رمز الرأسمالية وثقافة الاستهلاك، ومعه الدمية الآلية "كوبيليا". يغري سكان المدينة السعيدة بالشباب الدائم والتوق إلى الجمال والكمال. يُشيد مبنى ضخما لا يشبه أي شيء في المدينة، بل هو أقرب للمصنع أو للمركبات الفضائية. يظهر في الإعلانات بشكل دائم ومتكرر ويلح على فكرة واحدة: تعالوا لأوهبكم الجمال الدائم.. يحقنهم بإكسير الشباب، وينجح ذلك مع الكثيرين من أهل البلدة وقد صار معظمهم في قبضته يفعل بهم وبوجوههم وأجسادهم ما يشاء.
•••
يتناول الفيلم بنعومة شديدة ودون ثرثرة كل مظاهر الجمال الزائف الذي نعيشه وتأثير الثقافة الاستهلاكية على أجسامنا التي صارت سلعة ضمن السلع، نرغب أن تكون دوما مطابقة للمواصفات، دون أن نفهم من فرض علينا تلك المواصفات، ويكون لذلك بالطبع أكبر الأثر على نفسياتنا وعلاقتنا. وهو ما حدث بالفعل في المدينة الهادئة التي وصل إليها العالِم كوبيليوس ليقلب حياتها رأسا على عقب. لكن عندما شعرت سوان (الراقصة السمراء) بانجذاب حبيبها فرانس نحو الدمية ــ الروبوت "كوبيليا" دفعتها الغيرة إلى كشف أمر الطبيب الغريب الذي تطفل على مدينتهم، فقامت بالتصدي له بصحبة مجموعة من الأصدقاء وأنقذت حبيبها وباقي السكان من براثنه.
عاد الثنائي مجددا للرقص في شوارع المدينة الملونة بعدما نجح في اجتثاث الشر. جاءت النهاية السعيدة كما في عالم الحواديت الذي استغرقنا فيه بفضل العمل المصنوع ببراعة وعناية فائقة، لكن بعد مغادرة الشاشة وخروجنا للواقع اصطدمنا من جديد بمظاهر التخلف والجهل والزيف وعدم قبول الآخر والتعصب للرأي والصراع على المصالح، التي مع الأسف لا يمكن التخلص منها بسهولة، كما حدث في الفيلم مع كوبيليوس وأعوانه الآليين. أراد هذا الأخير أن يعبث بالمدينة وأهلها فلاقى ما يستحقه من عقاب، خلال حوالي ثمانين دقيقة هي مدة الفيلم. تمنيت لو نخضع لقواعد وأحكام الحواديت والرسوم المتحركة وينتصر سحر الحب على الشر ونعيش بعض الوقت في المدينة الملونة.

التعليقات