هكذا ودع أمته - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2020 1:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هكذا ودع أمته

نشر فى : الجمعة 24 يوليه 2020 - 10:25 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يوليه 2020 - 10:25 م
وقف رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بعرفة فى حجة الوداع وقال: وقفت هاهنا بعرفة، وعرفة كلها موقف «وكأنه يستلهم المستقبل وأن أهل الجمود سيفهمون النصوص دون ربطها بمقاصدها الكلية، فيريدون أن يقفوا فى نفس المكان الذى وقف فيه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وكأنه يقرأ فى «فقه المستقبل» بعد أن أدرك «فقه الماضى والحاضر» يعرف أن أمته ستصل إلى المليار، وأن من بينها من يريد أن يعزل النصوص عن سياقاتها العامة أو يمزقها تمزيقا أو لا يهتم «بفقه المقاصد» فيشق عليهم أن يقفوا فى هذه النقطة أو يتنازعوا على الوقوف عليها.
هكذا وقف رسول الله، منذ 15 قرنا من الزمان على ناقته القصواء يخطب فى أمته فى أعظم يوم فى العام كله مناديا: «استنصت الناس يا جرير»، فأنصت له كل شىء، أنصتت له الدنيا بأسرها لتسمع كلماته التى سيلخص فيها رسالته ويودع بها أصحابه والدنيا كلها ويستودع الرسالة والأمانة للأجيال المقبلة من بعده.
وها هو رسول الله «ص» ينادى: «أيها الناس اسمعوا قولى فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا»، إنه يلمح بالرحيل عن الدنيا بعد أن ملأها برا ورحمة وعفوا وصدقا وزهدا وورعا، ها هو سيودع الدنيا بعد أن اجتمعت له كل قبائل العرب لتحج معه هذا العام.
جاءوا إليه اليوم منقادين طائعين بعد أن حاربوه وآذوه طويلا، جاءوا إليه محبين راغبين مسالمين بعد أن بارزوه بالعداوة والكراهية طويلا، جاءوه بعد أن قدموا الإسلام على ما سواه، قدموه على القبيلة والعشيرة والعصبية الجاهلية وعلى الأهل والأولاد.
تأملهم الرسول «ص» بعين المحب الرفيق الودود، نظر يمينه وشماله فإذا هم مد البصر، نظر أمامه وخلفه فإذا هم مد البصر.
ها هو يرى ثمرة كفاحه الطويل وحصاد بذله وعطائه الذى استمر 23 عاما، إنه يرى فى هذه الجموع المؤمنة الغفيرة ثمرات صبره وحلمه ودعوته وتعليمه وعفوه وحبه، إنه يرى من خلالهم أجيال المؤمنين القادمة، إنه قلق على أمته أن تحيد عن كتاب الله وسنته، أن تُفرط أو تُفرط، أو تقع فى الغلو أو التقصير، أن تطغى فى الميزان أو تخسره وهى تقرأ قوله تعالى «ألا تطغوا فى الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»، إننا معنيون بإقامة القسط فى كل شىء بدءا من الحكم والقضاء والسياسة والاقتصاد والاجتماع والأسرة، وانتهاء بالعدل مع النفس.
ووسط هذه المشاعر الفياضة بالحب بين الرسول الخاتم وأمته إذا به يفاجئهم «أى يوم هذا؟! فسكتوا جميعا حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه تأدبا معه فقال: أليس يوم النحر قالوا: بلى قال: أى شهر هذا؟ أليس الشهر الحرام، قالوا: بلى يا رسول الله ثم سأل أى بلد هذه؟ أليست مكة قالوا: بلى.
وإذا بالرسول «صلى الله عليه وسلم» يفجر المفاجأة التى أراد أن يقدم لها ويلفت أنظار كل الأجيال لها، فقال: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا»، إنه تأكيد للحرمة.
إنه لا يقول أيها المسلمون، أو أيها المؤمنون، إنما يخاطب البشرية كلها من خلال هذا الصحب الكريم، إنه يستودعهم أمانة البلاغ، آه تتحدث يا سيدى عن حرمة الدماء والأموال والأعراض وتؤكد هذه الحرمة، والله يا سيدى يا رسول الله لو حفظت هذه الثلاث على ظهر الأرض ما بقيت هناك خطيئة تذكر بعد ذلك، ولو طبقت لعاش العالم فى أمان.
يا سيدى يا رسول الله فى الحرب العالمية الثانية وحدها قتل 16 مليون إنسان، وعلى أى شىء قتلوا !«من أجل لا شىء» سوى جنون العظمة لدى هتلر، والتتار قتلوا فى العراق وحدها مليون إنسان من أجل ماذا؟! من أجل جنون جنكيز خان.
وفى هيروشيما ونجازاكى قتل 10/1 ملايين من أجل هيبة أمريكا، وفى العراق قتل إلى الآن 2 مليون عراقى من أجل صدام تارة وبوش أخرى أو طموحات إسرائيل اللا نهائية أو تكفير وتفجير القاعدة وداعش أو طائفية الميليشيات الشيعية والحشد الشعبى وأخواتها.
فآه يا سيدى لو عشت فى دنيانا، أما انتهاك الأعراض فحدث ولا حرج، سواء رغبا أم رهبا، واليوم هناك ما هو أسوأ دعوات علانية للشذوذ يتبناها البعض ها هنا وهناك.
أما أكل أموال الناس بالباطل، فهذه يا سيدى تمتد من أسفل المجتمعات إلى أعلاها بداية من أكل ميراث البنات وحتى امتلاء البطون والخزائن بالمال الحرام، وخاصة المال العام.
يا سيدى يا رسول الله الرشوة والتربح والفساد والسرقة والاختلاس وغسل الأموال الحرام تملأ الدنيا، والمسلمون اليوم من فرسانها الكبار وللأسف الشديد.
آه يا سيدى لو طبق الناس أول بند من بنود خطبة الوداع لطهرت الأرض، ولكن الناس ما بين هابيل وقابيل، وقد يتبادلون الأدوار.
هكذا استودع الرسول «ص» الدنيا كلها ــ وليس أمته فحسب ــ خلاصة رسالته ومجمل حكمة الدنيا والآخرة، لم يرد أن يفارقهم قبل أن يستشهدهم على رسالته وعلى نفسه وعلى بلاغه الكامل، لم يرد أن يودعهم قبل أن يطمأن عليهم وأن نصائحه ووصاياه قد بلغت الآفاق، أراد لهم الخير والصلاح حتى وهو يودعهم، إنه الحب العميق لهم وللناس وللدنيا.
آه يا سيدى لو أعادت القاعدة وداعش وميليشيات الحشد الشعبى الشيعية وبشار وأعوانه وكل الميليشيات اليمنية وكل الذين يقتلون شعوبهم قراءة هذا البند وعملت به لكان حال البلاد والعباد أفضل مما نحن فيه.
يا جرير: قل للدنيا تتوقف عن الولوغ فى الدماء الحرام والأعراض المحرمة والأموال المحرمة، وهكذا أنهى الرسول «صلى الله عليه وسلم» خطبته وهو يستشهد أمته «ألا هل بلغت»، فتجيب الحشود وكأن على رءوسهم الطير: بلى، فيرفع أصبعه إلى السماء قائلا :اللهم فاشهد.
التعليقات