الشرق الأوسط ــ لندن.. لبنان: محاولة لإعادة التأسيس الوطني - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 5:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الشرق الأوسط ــ لندن.. لبنان: محاولة لإعادة التأسيس الوطني

نشر فى : الخميس 24 أكتوبر 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : الخميس 24 أكتوبر 2019 - 8:55 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط مقالا للكاتب حازم صاغية.. نعرض منه ما يلى:

غير مسبوق فى تاريخ لبنان الحديث أن تغصَ الشوارع بنصف عدد السكان من كلِ الطوائف والمناطق. أن تكونَ قضية واحدة، هى الفقر والعوز وانعدام الأفق، قضيَتهم الوحيدة. مشاريع الطوائف، ومثلها المشاريع الأيديولوجية التى تطالب عقول الناس بالانفصال عن شروط حياتهم، تراجعت خطوتين من دون أن يتراجع شعورها بالمضض. بعض القوى القديمة قالت إنها تؤيد الانتفاضة ولكنْ... بعضها أصم الآذان عن الشتائم التى كيلت لرموزها... بعضها تظاهر بالتأييد وفكرت بتزييت البنادق. أحدٌ ممن هم «ضد» الانتفاضة لم يقل إنه ضد. إنه إجماع آخر على الكذب.

هذا غير مسبوق، وهو كذلك لأن حدة الأزمة غير مسبوقة، وتفاهة الحكام وفسادهم غير مسبوقين أيضا. اللبنانيون قالوا عنهم فى العلن ما كانوا يقولونه فى الغرف. وهم لم يميزوا بين واحدهم والآخر، وإن وزعوا اتهاماتهم لهم بتفاوت يعكس التفاوت فى المسئولية. هكذا حالوا دون إعادة تدوير قضيتهم فى التنافس المعهود بين الأجنحة الطائفية للنظام. إنه جهرٌ بالحقيقة فى مقابل جهرهم بالكذب.

أصحاب الانتصارات العظمى السابقة، سمَيناها أمجاد المقاومة أم أمجاد «الحكم القوى»، لم تتكشف انتصاراتهم عن مكاسب فعلية لمن صدقوها. على العكس تماما، تحولت إلى أسباب محفزة للكارثة الاقتصادية ــ الاجتماعية.

فى المقابل، فإن أصحاب الهزائم من بقايا الـ14 آذاريين لمسوا، مرة بعد مرة، أن معادلات النظام الطائفى فى شكله الراهن ستُبقيهم مهزومين إلى ما لا نهاية. إن انتصارهم ممنوع فى ظل السلاح. هذا فضلا عن أن قادتهم لم يُقنعوهم مرة بأنهم، فيما خص المسائل الاجتماعية، مختلفون عن منافسيهم.

إذا، هناك منتصر لم يعد فى وسعه أن ينتصر أكثر، وهناك مهزوم لم يعد يستطيع أن يُهزم أكثر. لكن الاثنين اللذين ضمهما نظام واحد جمع بينهما موقف واحد ممن طردهم النظام خارج جنته.

أما الأجيال الأصغر سنا فلم تعرف أصلا تلك الانتصارات المزعومة. تحرير 2000 وتحرير 2005 ومأساة 2006 التى جُعلت ملحمة، كانت خدعة للآباء وحدهم. بدورها، فـ«الرئاسة القوية» كانت تستدعى منهم، كى يحملوها على محمل الجد، أن يكونوا أطفالا.

هذه الخيبة العامة بالنظام، وقد دفعه «العهد القوى» إلى أسفل دركاته، ولدت الاستثناء اللبنانى العظيم. ربما لم يغادر الكثيرون وعيهم الطائفى، وهو ما لا يحصل هكذا بغتة، إلا أنهم أزاحوه جانبا. لقد أتاحوا للإنسان الاقتصادى فيهم أن يظهر وأن يقضم شيئا من الإنسان الطائفى الذى فيهم. هكذا وجدوا أنفسهم يتحدون وينقسمون على قاعدة مصالحهم. إنهم، بفعلهم هذا، احتفلوا بإعادة اكتشاف أنفسهم كمواطنين وكسياسيين، وبأن لواحدهم امتداده فى طوائف ومناطق أخرى. لقد خرجوا من تعليبهم الطائفى الذى لا يلحق بهم إلا الشلل والعطالة ويجعلهم بشرا جزئيين.

وقد يكون من المبالغة القول إننا شهدنا إعادة تأسيس للبنان آخر. لكنها بالتأكيد محاولة جدية لإعادة تأسيس تحصل فى الشارع. فى الضوء. فى العلن الصاخب. محاولةٌ لم يحل الغضب الذى فيها دون كثرة الألوان الزاهية، ولا حالَ قرفها من الوطنيات السقيمة دون اكتفائها برفع العلم اللبنانى. المرأة والفتاة حضرتا بقوة فيها، والعنف ــ باستثناء الرسمى منه ــ غاب عنها بقوة، فاقتصر على اللفظى منه الذى طهر النفس مما كُبتت طويلا عليه. لقد غنوا ورقصوا وأحبوا فيما هم يثورون.

فى خانة أخرى تقيم النتائج الأخيرة، أى الهزائم والانتصارات. والحال أن وضعا طائفيا فى صلابة الوضع اللبنانى ليس من النوع الذى يستسلم بسهولة، أو يُهزم بضربة قاضية. إنه يتحايل ويناور ويتظاهر، لكن الانقضاض على الحركة الشعبية هو ما يملك عليه وعيه. تكفى ورقة «إصلاحية» هزيلة كالتى قدمها سعد الحريرى لكى تتحرك أذرع حزب الله الخفية تمويها للموضوع الفعلى عبر التذكير بالصراع مع إسرائيل أو افتعال إحراق الأعلام. هكذا نتأكد من أنه لا جديد تحت الشمس. أما فى البيئة العونية فتتعالى الأصوات مطالبة الجيش بالتدخل الحاسم، بذريعة فتح الطرقات المغلقة. إذا ثلاثية حزب الله الشهيرة: «شعب وجيش ومقاومة» تترجم نفسها جيشا ومقاومة ضد الشعب.

ما يحض الجماعة الحاكمة على التحرك عنصر آخر: أن طرفيها الأساسيين كيانان مأزومان. الحضور الكثيف للطائفة الشيعية فى الانتفاضة يقول إن قاعدة الحزب فى مكان آخر. أما العونية فأغلب الظن أن استحواذها على السلطة قد تهاوى بتهاوى صورة جبران باسيل الذى أجمع اللبنانيون على أنه المكروه الأول فى جمهوريتهم.

فى هذه الغضون، لا مفر من البقاء فى الساحة. فى الشارع. والأهم على المدى الأبعد، البناء على هذه اللحظة للمستقبل. البناء الذى يستدعى التنظيم ونشر الأفكار وسط شعب أظهر استعداده للتغيير. إنها خطوة أولى، لكنها خطوة كبيرة جدا. إغراقها بالدم لن يوقف المسيرة التى انطلقت كى تعيد تأسيس الوطن.

التعليقات