العَرَبِيَّة في ذِكرَاها السَّنَوِيَّة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 4:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

العَرَبِيَّة في ذِكرَاها السَّنَوِيَّة

نشر فى : الثلاثاء 24 ديسمبر 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 ديسمبر 2019 - 10:10 م

مُنذ سَنوات طِوال وقضايا تغريبِ اللغةِ العربية تشغل بالَ المُهتمين بها والمُتتَبّعين لمصيرها. مِن بين هذه القضايا مَسألة تعريب العلوم المختلفة، وتلك قضيةٌ تحمِلُ ولا شكَّ وجاهَتَها؛ فالتفكيرَ باللغةِ الأم أكثر مَنطقية من التفكير بلُغة أخرى، وأكثر عمقًا واقترابًا مِن جَوْهرِ الأشياء.
يحتفل العلماءُ والباحثون ونفرٌ مِن المُحبين في ديسمبر مِن كل عام؛ بيوم جُعِلَ خصيصًا للغة العربية، وبهذه المُناسبة يُقيم المَجمع المصري احتفالية سنوية، عادة ما تُطرَح القضايا التي تخصُّ العربية فيها؛ فيتجاوب معها جُمهور الحاضرين، وتأتي وعودٌ برَّاقة مِن المسئولين، ثم يمُر العامُ ويلتقي الزملاءُ من جديد ليجتروا المَواجِعَ، ويعيدوا ما قِيل في أعوامٍ فائتة، دونما تغيير.
حضرت هذا العام نقاشًا استجلب مِن الشجن- كما اعتدت- الكثير. لا تلقى فكرة الحفاظ على اللغة العربية ترحيبًا مِن الدولة على ما يبدو؛ إذ هي أول من يجافي الأحرفَ ويضطهدها. تستخدم الدولةُ في إعلاناتِها وعناوين مشروعاتِها وعلى لسانِ كبارها؛ ألفاظًا أجنبية، أغلبها مِن قاموس الإنجليزية، بينما تبالغ في استبعاد العربية وتعمَد إلى إقصائها عن المجال العام؛ وكأنها عارٌ ينبغي مَحوه. نجد مُسمَّيات بغير لغتنا الرسمية على رأس المُجمَّعات الاستهلاكية، والأسواقِ التجارية، كما نجد ألفاظًا مِن الإيطالية والفرنسية لمُنتجعات ترفيهية ولعديد المدن الجديدة؛ وكلها تخضع بصورة مُباشرة للدولة.
على صعيد أكثر إيلامًا؛ ينتهي شبابٌ كُثر مِن دراستهم الثانوية وأحيانًا الجامعية، ويرتكبون مِن الأخطاءِ الإملائية ما يُهين، واللومُ لا يقع عليهم إنما على مَنظُومة ضحلة؛ تختلط فيها الأولويات وينزلق الرأس منها مكان الذيل. مَنظومةٌ تُولي اهتمامَها على سبيل المثال لا الحصر لجهازٍ أصمّ، وتظُنّ فيه الكفاية، وتعلنه آية مِن آيات التقدُّم والتطوير، وتتناسى أن العقلَ الذي لا يعرف بأي لغة يفكر، عصيب عليه إنتاج مَعرفة حقة مَهما اكتسب مِن مهارات التكنولوجيا الحديثة.
على مَدار دورات ومُؤتمرات مَجمَعية مُتعدّدة؛ تحدَّث أساتذةٌ ومُتخصصون عن إنشاء مراكز للتعريب داخل الجامعات، هدفها تقديم المادة العلمية مترجمة إلى العربية، بالتوازي مع اللغة الانجليزية؛ لكن هذا الحديث لم يلق صدى، بل لم يلق القبولَ لدى مَن طُرِقَت أبوابُهم في سبيل الحصول على موافقة رسميَّة. تلوح مسألةُ التعريب على الرغم مِن أهميتها وبساطتها؛ مُقِضَّة للمضاجع، مُقلقة، يتهرب مِنها كُلُّ مَسؤول وقد يرفضها علانية، والأسباب ليست واضحة ولا مُقنِعة.
قوانين عِدَّة تصدر في لمْح البَصَر رغم خطورة مُحتواها وجِدية تبعاتها، أما قانون حمايةُ اللغة العربية الذي أعدَّه المَجمَع المِصريّ؛ فباقٍ في قرارٍ مَكين. أدراجٌ تحتويه لا يُعرفُ عمق قيعانها، ولا يخرج منها ما يدخلها. لم يخضع القانونُ لمداولة مُوسَّعة في نطاق المُجتمع، ولا لمناقشة هي بالتأكيد مُستحَقَّة، ولم تُفرَد له مساحات إعلامية مَقبولة توفيه أهميته، بينما اللغةُ في انحدار مُستمِر والعداءُ مُستَحكم اتجاهها، واستخدام الأجنبيّ مِن الكلمات صار عند العوام قاعدةً لا استثناء.
تمتلئ قاعةُ المَجمع في الاحتفالِ السنويّ بأشخاصٍ كثيرين؛ أغلبهم زوار يعرفون المَكان، بعض الصحافيين ونفر مِن مُراسلي القنوات التلفزيونية؛ يستمعون إلى كلماتٍ تتكرر وأفكارٍ تتوالى، وما مِن مُجيب، ولسان حالهم يقول إن اللغةَ ليست مِن السِلع الرائجةِ كي تحظى بالاهتمامِ الوَاجب مِن أصحابِ المَناصب، بل تكاد تشبه بضاعةً مَعطوبة؛ لا يريد أحدٌ أن يبتاعَها.
تكليفاتٌ تصدُر وتعليماتٌ تُطَبَّق، وليس مِن بينها ما يحفظ اللسان العربي بل والمصري أيضًا؛ فالمصرية نفسُها تتدهور وبدلاً مِن اشتقاقِ مُفردات جديدة وابتكار أخرى مِن صُلبِ اللغة ونسيجِها، تقتحم مُفرداتٌ أجنبية لا أول لها ولا آخر أحاديثِنا، رغم أن العربيةَ الفصحى والعامّيةَ المِصرِيَّة شديدتا المُرونة، مُترامِيتا الإمكانات، قادرتان على التفاعُل والتجَدُّد بغيرِ حدود.
في كُلّ احتفالية يقول قائلٌ مِن الحاضرين أن اللغةَ وعاءُ الفِكر، وأنها لسانُ حالِ الأُمَّة، وأن الشعوبَ التي تفقد لغتَها لا تفقد فقط أداةَ التعبيرِ الرئيسةِ عن نفسِها، بل وتفقد القُدرةَ على التفكيرِ السَّليم، وعلى إحرازِ تقدم مأمُول. تفقد أيضًا قدرتها على صوغ طلباتها واحتياجاتها، ونقش أحلامها، والإعراب عن اعتراضها واستيائها.
كثير الزعماء الذين تركوا أثرًا كانوا فصحاء، يملكون قوة البيان وسلامته، أما اليوم فنادر مَن لا يخطئ إذا قرأ مِن وَرقة، وأكثر نُدرة مَن يرتجلُ فلا يسقُط في فاحشِ العَثرات. أحد أركانِ الجُملة دومًا غائبٌ عن لسان المُتكلّم، والمَعنى بالتبعيةِ شائهٌ مَنقوص.

في إهمال اللغة ما يُشين وفي الاعتداء عليها ما يستَوجِب الحِساب، وقد سبقتنا إلى إقرار ضوابط الحماية دولٌ عديدة تدرك أهمية؛ منها الأوروبيّ، ومنها أيضًا جيران في الموقع الجغرافي. لم يشعر أحد هؤلاء بأن في الاحتفاظ بلسانه قويًا عفيًا طليقًا، إساءة أو إهانة؛ فالعكس هو الصحيح، وعَجز المُتكلمين عن النُطق السَّليم واستعانةُ البعض بكلماتٍ مِن لُغة أخرى؛ ليس دلالةً على المُستوى الطبقيّ الرفيع، بل على فكر سطحيّ ومَظهريّ، يتنصل صاحبه مِن الجِذر ويتمَسَّح بالآخر، فيما يحترم هذا الآخرُ لسانَه، ويُوليه ما يستحق مِن عناية وتقدير.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات