الإسلام المعاصر.. الشريعة والسياسة - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 7:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الإسلام المعاصر.. الشريعة والسياسة

نشر فى : السبت 25 مارس 2017 - 10:40 م | آخر تحديث : السبت 25 مارس 2017 - 10:40 م
هل فرضت الشريعة الإسلامية نظاما سياسيا بعينه يمكن اعتباره «النظام السياسى الإسلامى»؟

الحقيقة أن إجابة هذا السؤال مهمة لأنه إذا كان من المسلم به بين الكثير من المسلمين أن الإسلام «دين ودولة» وأن الإسلام ينظم كل مناحى الحياة، فلابد أنه ينظم الحياة السياسية أيضا لأن الأخيرة لا يمكن فصلها أبدا عن شئون الحياة العامة. إذا تركنا الخلاف بين العلماء جانبا وقمنا بمراجعة تاريخ «الممارسة الإسلامية» منذ أحداث الفتنة الكبرى وحتى انهيار الخلافة العثمانية، سنجد أن الممارسة الإسلامية السياسية قد اختلفت عبر العصور بل وحتى فى نفس العصر بين خلفاء المسلمين، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية فى الشأن السياسى والعام قد تأثر بشدة بطبيعة الصراعات المحلية والإقليمية التى كانت قائمة فى كل عصر، فضلا عن أن العنصر البشرى بكل ما فيه من مواطن ضعف إنسانية أمام شهوات السيطرة والقبلية والقوة والثروة والنفوذ والتوسعات كان لها تأثير قوى ومباشر على طريقة تطبيق الشريعة الإسلامية فى هذه الدول وهذه العصور.
ما أعطى لهذه الممارسات طابعا إسلاميا لم يكن سوى أن من طبقها كانوا «مسلمين»، لكن عبر أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الممارسة الإسلامية لا يمكن أن نجد أى ملمح ثابت لأى تطبيقات سياسية للشريعة الإسلامية!

***

فى العمل الضخم الذى صدر عن دار نشر أوكسفورد فيما يقرب من ٧٠٠ صفحة وتناول العلاقة بين الإسلام والسياسة ــ وحرره أستاذا العلوم السياسية المرموقان المصرى الدكتور عماد الدين شاهين والأمريكى الدكتور جون إسبوسيتو ــ الذى جاء متناولا المفاهيم السياسية التى ارتبطت بالإسلام فكرا وتطبيقا، عارجا على فكر أهم المنظِّرين الإسلاميين فى العصر الحديث، فضلا عن التجارب السياسية الإسلامية سواء ارتبطت بالدول التى طبقت الشريعة أو بالأحزاب والحركات الإسلامية السلمى منها والعنيف، والذى جعلته مقررا على طلابى الأمريكان العام الماضى، سألتهم فى نهاية الفصل الدراسى أن يتفقوا على أهم ثلاثة ملاحظات علمية على التجربة السياسية الإسلامية، بعد دراسة ٤١ فصلا هى عدد فصول العمل البحثى الضخم، اتفق الطلاب على الملاحظات الثلاث التالية:

الملاحظة الأولى: أن التجربة السياسية الإسلامية ينطبق عليها ما ينطبق على باقى التجارب السياسية العالمية التى ظهرت متوازية مع التجربة الإسلامية كل فى عصورها! فالتجربة السياسية لدول الخلافة حركتها ما حرك باقى إمبراطوريات هذه العصور الشرقية منها والغربية، حيث الصراع على السلطة وإخضاع البشر للسيطرة والرغبة فى التوسع. بعبارة أخرى فالتجربة السياسية الإسلامية كانت بهذا المعنى تجربة بشرية تخضع لمعادلات السياسة والقوة لا لحسابات الفقه والشريعة حتى لو ادعت غير ذلك اسما للحصول على شرعية الحكم والقدرة على استقطاب وتعبئة البشر.

الملاحظة الثانية: أن تجربة الحكم الإسلامى كانت «متعولمة» وهذا متفق مع طبيعة الدعوة الإسلامية نفسها، بمعنى أنها حاولت إحداث الكثير من المواءمات بحسب بيئات الحكم وطبيعة الثقافات والعادات والتقاليد، فالدولة الإسلامية المغولية فى الهند حكمت بشكل مختلف عن الدولة الصفوية فى إيران والتى اختلفت بدورها عن الدولة الفاطمية أو الأيوبية أو العثمانية وهكذا. إن هذا الاختلاف كان محوريا ومقصودا لا عفويا من أجل السيطرة على البشر والاستجابة لطبيعة بيئاتهم المحلية على الرغم من التقارب أو التوازى الزمنى، أما إذا ما أدخلنا عامل الزمن فى الاعتبار فإن هذه الاختلافات فى استراتيجيات وسياسات الحكم كانت أكبر استجابة لطبيعة كل مرحلة زمنية.

أما الملاحظة الثالثة والأخيرة: أن الشريعة الإسلامية يمكن اعتبارها «مرجعا قيميا أخلاقيا» لما يجب أن تكون عليه الممارسات الحياتية سواء على مستوى العلاقات الفردية أو الجماعية أو حتى على مستوى العلاقات بين الدول، لكن لا يمكن أبدا استنباط أى نظام سياسى محدد الملامح سواء على مستوى المؤسسات أو الهياكل أو القوانين أو اللوائح لتنظيم هذه العلاقات السياسية سواء داخل الدولة (الإمبراطورية) أو بينها وبين غيرها من الدول.

لفت نظرى المقالة الإلكترونية المهمة التى كتبها الأستاذ الباحث «أحمد تايلور» ونشرها موقع «إضاءات» أخيرا بعنوان «بين العوا وغليون: هل فضل الإسلام النظام الرئاسى فى الحكم؟» والذى تناول بيان الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين الذى أدعى أن تعديلات أردوغان الدستورية المقترحة هى النظام السياسى الذى يتفق مع «تعاليم الإسلام»، حيث أوضح المقال رأى اثنين من كبار المفكرين الإسلاميين، السورى برهان غليون والمصرى محمد سليم العوا، بحيث أن رأى المفكرين المهمين يكاد يقترب من رأى طلابى بعد دراسة تلك التجربة السياسية الإسلامية الثرية، بحيث اتفق العوا مع غليون على أن (وهنا أقتبس من المقال المذكور):
«الإسلام لم يأت بنظام حكم معين المعالم محدد التفاصيل، لكن الفقه الإسلامى بوصفه، تعبيرا بشريا عن فهم النص القرآنى، حفل بمسائل نظم الحكم».
***
هذه النتيجة المهمة التى يتوصل لها بسهولة كل من قرأ تاريخ الممارسات السياسية الإسلامية خلال القرون الماضية من شأنها أن تحدث تحولا على ثلاثة مستويات فكرية وسياسية:

المستوى الأول هو فى إزاحة ذلك الحمل الثقيل الذى يقع على عاتق المفكرين الإسلاميين فى محاولة لى عنق الحقائق والقراءة المجتزئة السطحية أحيانا للتاريخ الإسلامى للدفاع عن «الشبهات» التى تحوم حول الإسلام! فلا حاجة للدفاع واللعثمة والارتباك والذهاب يمينا ويسارا والتبريرات المضحكة البليدة لتبرير القتل والسبى والاحتلال والإخضاع والتفرقة وغيرها من الوسائل والأدوات التى استخدمتها الكثير من الدول الإسلامية فى ممارستها السياسية لأن ذلك لم يكن قاصرا عليها، فقد كان هذا ببساطة من معطيات العصر وكل هذه الموبقات كما ارتكبت تحت راية الإسلام والهلال فقد ارتكبت مثلها تماما تحت راية المسيحية والصليب، والمشكلة هنا لا فى الإسلام أو المسيحية، لكنها الطبيعة البشرية المدنسة للممارسات السياسية وطبيعة الصراعات على السلطة التى انطبقت على كل التجارب الإسلامية والمسيحية واليهودية، الهندوسية والبوذية والسيخية وغيرها!

المستوى الثانى هو فى إعادة قراءة التاريخ باعتباره صراعا بين بشر وثقافات وتقاليد وسمات فيزيقية وتطورات علمية لا بين آلهة أو أديان أو شرائع! من انتصر، انتصر لأنه كان سباقا للثورات الاقتصادية والسياسية ومن ثم الاجتماعية التى ساعدته على الدخول أولا فى التحديثات العسكرية ثم الولوج إلى التحديثات السياسية ومن ثم الاجتماعية وهو ما يعرف باسم «الحداثة» والتى فرض منطقها ــ ولايزال ــ المنتصر فى هذا الصراع التاريخي! ومن انهزم انهزم لأنه لم يتمكن من اللحاق بالسباق العلمى والمعرفى ومن ثم لم يتمكن من فرض منطق التحديث على غيره لا لأنه عصى الله أو بعد عن طريقه أو لأنه ضحية للمؤامرات!

أما التحول الثالث والأخير فيتمثل فى البدء الفورى فى التفكير فى أطروحات أكثر عملية وواقعية بخصوص الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية فى الحياة المعاصرة بعد التخفف من حمل التاريخ ومن ثم إعادة النظر فى كل المفاهيم السياسية التى طرحت وكأنها فروض إسلامية وجب على المسلمين اتباعها كالمفهوم البشرى الرائج للخلافة الإسلامية والحكم الإسلامى والنظام السياسى الإسلامى وما يرتبط بها من مفاهيم فرعية شغلت بالنا أكثر من اللازم وحجمتنا فى التفكير واستنزفت جهودنا ووقتنا بلا طائل بحثا عن إرضاء الاتباع وعدم إغضاب الشلل والشبكات الداعمة لمثل هذه المفاهيم أسيرة الماضى السحيق التى لا علاقة لها بنصوص مقدسة أو بأوامر إلهية.
هذه التحولات من شأنها أن تحدث مصالحة حقيقية بين التراث الإسلامى الغاضب من الحداثة المتحفز للتطور والتقدم العلمى، المرتبك أمام ضرورات الحياة المعاصرة نحو خطوة أرحب تعيد قراءة مفهوم الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها بشكل يتجاوز حصر الشريعة فى خانة الحدود وكأنها مجرد قانون للعقوبات لا حكمة إلهية أشمل وأعمق تطرح قواعد أخلاقية وقيمية عامة باحثة عن وسائل إرساء العدل والحرية والإخاء والمساواة نحو الهدف الأسمى على الإطلاق ألا وهو «تعمير الأرض».
***
مصالحة التراث على الحداثة نحو مفهوم مختلف لمعنى الشريعة وتطبيقاتها فى المجتمعات المعاصرة تعيد النظر فى معنى الحدود وتعظم من قيمة الحق فى الحياة حتى للملحدين أو المرتدين أو التاركين أو الغاضبين من الدين الرافضين لتطبيق الشريعة وتُعلى من قيمة التعددية والمواطنة والمساواة فى الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو موضوع نقاشات قادمة أنوى طرحها فى هذه المساحة.

 

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر