منظر من نافذتى - مدحت نافع - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 9:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

منظر من نافذتى

نشر فى : الإثنين 25 مايو 2020 - 5:50 م | آخر تحديث : الإثنين 25 مايو 2020 - 5:50 م

دعيت منذ أيام للاشتراك فى مجموعة على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» عنوانها منظر من نافذتى view from my window. المجموعة لطيفة ومبهجة ومتعددة الجنسيات والفئات العمرية، تقوم فكرتها على نشر الأعضاء للمناظر التى تطل عليها نوافذهم. هذا مشهد للبحر المتوسط أو للمحيط الأطلنطى وآخر لبحيرة أو لحديقة أو غابة طبيعية أو حتى أسمنتية تفتقر إلى الجمال. على خلفية هذا نشأت منافسة طيبة بين معظم الناشرين على اختلاف مشاربهم، حملتهم دون اتفاق على التقاط صور عالية الحرفية لمناظر طبيعية غاية فى الإبداع، تنتشر فى أحيائهم السكنية وعلى مقربة منها.
المناظر لا تخلو جميعا من حنين إلى الطبيعة البرية، وأكثر الصور حصدا للإعجاب والتعليقات كانت تلك التى تنقل مشهدا لمجموعة دببة أو غزلان أو طيور نادرة تلهو آمنة مطمئنة أمام نوافذ أعضاء المجموعة، وكأنها جميعا فى زيارة لعالم البشر كى تضفى عليه من جمالها. يقول تعالى فى سورة النحل: «وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ*وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ*وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَ بِشِقِ الأَنفُسِ إِنَ رَبَكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ*وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ».
تلك المناظر الطبيعية الخلابة يتعدى أثرها فى النفس تهذيب الذوق وإدراك قيمة الجمال إلى أبعد من ذلك بكثير، فهى تثير أحيانا شعورا بالندم المكتوم على ما فرطت فى حق نفسك وأنت محروم من هذا الجمال. الإنسان المعاصر يحيط نفسه طوال الوقت بكل ما هو جامد مصطنع من آلات وسيارات وأبراج... ثم تراه يحن إلى الطبيعة فى لفتة أرستقراطية فيستبدل بعض مناظرها بمسخ صناعى! كأن يضع فى مكتبه صورة لوردة، ويغلق نافذة تطل على حديقة غناء! أو يحفر بحيرة صناعية ليطل عليها، بينما يسهل عليه أن يطل على البحيرات الطبيعية والشلالات... إلى غير ذلك من نماذج لاضطراب الذوق والأحكام.
***
شخصيا أشعر أننى مغبون فى نعمتى الصحة والفراغ التى قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية ابن عباس أنهما «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس» فلو أنك لم تستثمر هاتين النعمتين فى السياحة فى الأرض والاستمتاع بروعة التصميم الإلهى فى إبداع مخلوقاته لفقدت الكثير من تكوينك الإنسانى الطبيعى. فقد ميزنا مبدع الكون بالوعى والتدبر وأودعنا الأمانة التى بها نعى عظمة خلقه، فإن نحن أهملناها فكأننا فرطنا فيها، وكنا أهون على الخالق من سائر خلقه. يقول الدكتور عبدالعزيز مرزوق فى مقال له بعنوان «الإسلام والفن» نشرته مجلة «المجلة» فى عدد أكتوبر من عام 1960 «فالإسلام قد عمل فى الحقيقة على أن يخلق منا فنانين، أو محبين للفن، لنكون رسل الجمال فى هذه الدنيا، نبرز ما فيها من جمال وجلال. على أنه لم يقف عند هذا الحد، بل نراه يدفع بنا إلى الإقبال على الاستمتاع بالجمال وبالزينة فى دائرة الاعتدال، فقد قدر ما يضطرب فى نفوسنا من غرائز ونزعات وميول، فلم يحاول كبتها، بل سعى إلى أن يهذبها ويسمو بها، فمهد بذلك سبيل الوصول إلى المثل الأعلى للإنسان».. ويقول فى موضع آخر: «الواقع أن القرآن الكريم قد خلا من نص صريح أو غير صريح بصدد التصوير، ما كان منه مسطحا أو مجسما مثل التماثيل، فلا تحريم ولا إباحة. والأحاديث النبوية التى تناولت الموضوع من نواحيه المختلفة لم تجمع فيه على حكم واحد، فهناك أحاديث تحرمه، وهناك أحاديث تجيزه. وإذا نحن حكمنا التاريخ والمنطق السليم وجدنا أن كليهما يؤيد فى وضوح عدم التحريم». وأشار بالطبع على عدم تحريم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التعامل بدراهم الفرس والروم والتى تزدان بصور ونقوش للأباطرة والملوك، كما أشار إلى أن رجال الدولة الأموية وهم قريبو عهد بالبعثة النبوية المطهرة لم يتحرجوا من تزيين قصورهم بالصور والتماثيل وكذلك العباسيون والفاطميون من بعدهم.
***
الحديث عن الفن والإسلام يأتى فى سياق أيام لها نفحات، فها هو شهر رمضان يمضى مسرعا وقد حرمنا أنس مساجده فى سنة القيام بل وفى الصلوات المكتوبة، بعذر قاهر ووباء فتاك. وها هى أيام العيد تنساب بين أيدينا دون أن يرتدى الأطفال زينتهم ويمرحوا فى الحدائق والمتنزها. غير أن وباء كورونا ليس سببا فى حرماننا من جمال الأعياد، بل حرمنا منه قبله سلوكيات منفرة بدأت بتشويه كل ما هو جميل، إذ تعرف العين والأنف ما صنعته يد التخريب والإفساد فى كل موضع زاره المحتفون بالأعياد. ثم كانت حفلات التحرش الجماعى بالفتيات فى قارعة الطريق خاتمة الإفساد وطامته الكبرى فى الأعوام الأخيرة، التى اقترنت فيها الرذائل اقترانا شرطيا بالأعياد بفعل المفسدين قاتلهم الله.
إذن تراجع إحساس الناس فى بلادنا بالجمال والأخلاق والقيم السامية الأولى التى كتب عنها فلاسفة الإغريق مجلدات ضخمة. وانتشر القبح فى صور كثيرة جسدتها العشوائيات السكنية عمارة وسلوكا، تلك العشوائيات التى تعيد الدولة حاليا بنائها وتنميتها. هذا القبح الذى تنفر منه الفطرة السليمة وشرائع السماء، وحضارة الأمم حرى بالمصريين أن يلفظوه قبل أى شعب آخر، فالفنان المصرى القديم هو أول من مهد لقبول الفن فى أسمى وأرفع معالمه كما يقول الأستاذ محمد صدقى الجباخنجى فى مقال آخر بذات المجلة المشار إليها آنفا.
الجمال فى الطبيعة سابق على تراكم الثروات، ولا يلتمس الفقر عذرا لتسويغ القبح، وتمرير سوء المنظر. علينا فقط أن نجتهد فى صيانة المناظر الطبيعية التى لم يكلفنا الله قرشا واحدا فى إبداعها. وأن نحافظ على طابع معمارى يتسم بالبساطة ويتصل بعناصر الطبيعة من بعض الوجوه. علينا أن نحافظ على مدينة 6 أكتوبر (على سبيل المثال) من زحف جائر للأبراج التى فضلا عن إرهاقها للخدمات والمنافع فإنها تخلق شذوذا غير مفهوم بين بيوت لا ترتفع فوق أربعة إلى خمسة أدوار على الأكثر! وتفتح الباب أمام مخالفات الارتفاعات الجائرة التى حذر منها السيد رئيس الجمهورية أخيرا فى معرض افتتاحه لإحدى المدن الجديدة بالإسكندرية، والتى أقامت مجتمعا جديدا على أنقاض عشوائيات قبيحة.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات