تنويعات من مقام الرحيل - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 17 يونيو 2024 2:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

تنويعات من مقام الرحيل

نشر فى : السبت 25 مايو 2024 - 10:05 م | آخر تحديث : السبت 25 مايو 2024 - 10:05 م

أسرتنى هذه الرواية بشخصياتها وأجوائها وتفاصيلها الإنسانية، وأدهشنى أن أعرف أنها الرواية الأولى لمؤلفتها، بعد مجموعتين قصصيتين أصدرتهما بمفردها، ومجموعة ثالثة اشتركت فيها مع آخرين.

قارئ تلك الرواية لن يخرج أيضًا بسهولة من عالمها الرحب، ولن يجد صعوبة فى اكتشاف نغمتها الأساسية من مقام الرحيل والفقد والمغادرة، من دون كآبة أو سوداوية، ولكنه شجن عذب، يختلط بملح الأرض من البشر الحقيقيين، وتنمحى فيه الفوارق بين البشر والبيوت، فكأنهم وجوه لنفس الذاكرة الخصبة، النابضة بطعم الحياة ورائحتها.

الرواية صادرة عن دار المرايا بعنوان «السيرة قبل الأخيرة للبيوت» لمؤلفتها مريم حسين التى أعرف أنها ابنة القاص والروائى الكبير الراحل حسين عبد العليم، ومن عرف تفاصيل سيرته، سيلمس تقاطعات كثيرة بين الرواية، وبين حياة الأب وبيوته وأصوله الفيومية ومهنته كمحام يعشق الأدب، بل إن الأب فى الرواية يحمل أيضًا اسم حسين، وقصة تسميته مثلًا ارتباطًا بسيدنا الحسين تتطابق مع ما حدث مع حسين عبد العليم. ولكن مريم صنعت بالتأكيد مزيجًا بين الخيال والواقع، وغيّرت كثيرًا من الأسماء، كما أضافت وحذفت، وخرجت من قيود السيرة الشخصية، إلى رحابة الفن والسرد الحر.

يبدو لى أنه أكثر من اختيار فنى، إذ سيكون مؤلما حقًّا الاسترجاع المباشر لسيرة الأب، إثر فقدانه المؤلم، فلا بد من مسافة للتأمل تمنحها الرواية بسخاء، ولا بد من أقنعة ضرورية تحرر الذاكرة. الرواية فن أكثر مكرًا وأريحية، والأب حسين عبد العليم نفسه استلهم بعض رواياته وقصصه من متون قضايا موكليه، ولكنه أخذها إلى آفاق أوسع، ولا شىء يليق بالرواية مثل أن يكون هذا الروائى الكبير نفسه شخصية روائية تكتبها ابنته الموهوبة، بل لقد تأكد لى بالفعل أن الرجل كان حقا شخصية فريدة جديرة بأن تكتب، والمفارقة أن كل شخصيات مريم تقريبًا، والتى رسمتها ببراعة، تستحق أن تكتب، لأنها حقا شخصيات روائية، حتى لو كانت قادمة من الواقع.

لا نقول إذن إنها رواية لتغيير الأسماء وحدها منعا مثلًا، ولكن لأن بنية النص وعلاقاته كلها مبتكرة، فهذا المزيج بين البيوت والبشر، وتلك الحرية الكاملة فى الحركة زمانا ومكانا، وصوت الساردة (الابنة الكبرى ميمى) التى نرى من خلالها الأحداث، كل ذلك «بناء مواز» للواقع، حتى لو استلهمه.

 لا وجود للموضوعية ألبتة، بل هى ذات مغتربة تحكى شاعرة بالخواء والوحدة، لا تأنس إلا بذاكرة حُفرت عليها أماكن وأحداث بعينها، ورغم تلك النظرة الفوتوغرافية المذهلة، التى لا تُغفل أقل صوت أو حركة أو جملة حوار، إلا أن الرواية عن ميمى أيضًا، بقدر ما هى عن البيوت التى أقامت فيها مع أبيها، ومع أسرتها.

مادة الواقع أعيد تشكيلها من جديد، لتصنع فنًّا، وخضعت كل الشخصيات، بما فيها الأب لقانون النص، وهو قانون يعيد تشكيل الزمان والمكان، ويربط بين الماضى والحاضر، فكأنها جدارية واحدة، أما ذات الساردة فتمسك بكل شىء، وانتقالاتها المونتاحية، إما بطريقة التداعى السيّال، أو بمنطق الوحدة الشعورية، فالفصول تنتقل بنا، وبالتبادل، بين بيوتات ثلاثة: بيت بشتيل البدائى، الذى استأثر بسنوات الطفولة، ثم بيت بولاق الدكرور، حيث سنوات الدراسة وما بعدها، ولمدة 25 عامًا، ثم بيت الهرم، بعد وفاة الأب، وهناك بيت رابع مهم مستتر يطل علينا فى فصولٍ كثيرة، هو بيت الجدة فى الفيوم.

ليست كل البيوت سواء، لأن بيت بولاق الدكرور هو وتد النص، وهو نغمة «الركوز» التى نعود إليها، ولكن الشخصيات باذخة الحضور فى كل مكان، حتى فى المدارس التى تعلّم فيها ميمى الموسيقى، بل يمكن أن تعتبر النص أقرب إلى «فاترينة» شخصيات عجيبة، لا أظننى قرأت مثلها، عددًا وكيفًا، فى الرواية المصرية منذ سنوات.

قانون النص أن ترتبط فكرة البيت بالأب حضورًا وغيابًا، بل لعل البيت هو الأب نفسه، فبيت بشتيل مثلا يبدو عالما بدائيا لا يليق بالسكنى، ولكن حضور الأب المفتون بالمكان يمنحه بقاء فى الذاكرة. لا وجود للبيت فى هذه الرواية مستقلًا عن البشر، ولا حضور للبشر إلا عبر سيرة الأب، الذى يموت قبل نهاية الرواية، ولكن الذاكرة تبعثه فى مواقف جديدة فى فصولٍ أخيرة، وتظهر زيارة مقبرته كلوحة مستقلة بعد ذلك.

لا تشعر الساردة بالأمان، وتطاردها العفاريت فى كل البيوت، فكأنها أشباح الفقد والرحيل، وقد تجسدت أمامها، تفشل حكايات حبها، وأبرزها علاقة عميقة مع صالح، وتتساءل ميمى عن معنى البيت، إذا كانت تعيش قلقًا دائمًا، وإذا كان فعل الرحيل عن المكان، يتقاطع مع رحيل البشر، كالأب والأجداد والعم المنتحر والصديق المغترب فى فرنسا، والرحيل أيضًا عن المدارس والتلاميذ.

ولكن الرواية ليست سوداء، لأن فيها الكثير من السرد الشاعرى، ممتزجًا بتفاصيل الواقع الخشن، الهزلى والجاد، مع مواقف حميمة لاختراع البهجة فى الطفولة، والشخصيات مصرية إلى درجة مخيفة، ترى مثيلًا لها كل مكان، وبصورة تجعلك تؤيد الأب فى افتتانه بتلك الأماكن الشعبية، هنا مادة عظيمة تحتاج من ينحتها قصصًا وروايات، وقد لاحظتُ أن مريم قد جعلت من كل فصل قصة طويلة مكتملة، وأنها أحبت شخصياتها، وإلا ما كتبتها بتلك البراعة.

ومثل كل عمل ناضج، فإن كل ما هو ذاتى وشخصى، يتحول تدريجيّا إلى أن يصبح عامّا، لذلك صارت الحكاية أيضًا عن البلد كلها من خلال أسرة من الطبقة الوسطى، التى تتراجع أحوالها على مدى فصول الرواية، وحكاية عائلة ميمى عن الفيوم والقاهرة، وعن الريف والعاصمة، وعن ضيق الرزق وسكان الهامش، وعن اتساع الفوارق الطبقية، والتدين الشكلى، هى بالضرورة ذات دلالة مهمة عن أحوال الوطن، وأوضاعه المقلوبة.

«السيرة قبل الأخيرة للبيوت» من أفضل الروايات الصادرة فى 2024، وأتمنى أن تفوز بما تستحقه من جوائز.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات