شعب سارح فى الملكوت - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 10:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

شعب سارح فى الملكوت

نشر فى : السبت 26 يونيو 2021 - 6:50 م | آخر تحديث : السبت 26 يونيو 2021 - 6:50 م

لوحات بالأبيض والأسود تأخذنا من زقاق إلى عطفة ضيقة إلى مقاهٍ عامرة ودكاكين متباينة، منفذة بالقماش والخيط على طريقة الخيامية. معظم هذه اللوحات التى صممها الفنان الإيطالى دانييلى مانو ونفذتها على القماش عائلة من «أسطوات» الخيامية تجمع الجد والأب والابن معظم هذه اللوحات تصور أحياء مختلفة من القاهرة، فيما عدا البعض منها الذى حاول تسجيل مشاهد مستوحاة من مدينة الفيوم.
تبدو القاهرة كالنداهة التى تغوى المنسيين والمطرودين والكادحين والفنانين. مكان يتنافس فيه القبح بنجاح مع الجمال، لكن ما استوقف عين الفنان الإيطالى كانت هذه الفوضى التى يجد فيها كل فرد مكانه بتلقائية وعشوائية خلاقة، ما يولد حركة متناهية تضج بها الشوارع والبيوت وكائنات تسبح فى الفضاء الواسع مثل شخوص مارك شاجال... عالم من الفانتازيا «الشوارعية» يتحرك على نغمات موسيقى مهرجانات شعبية، وأحيانا أخرى نشعر وكأننا نسمع فى الخلفية صوت وجيه عزيز على العود يتغنى بكلمات فؤاد حداد «صحتنى ليه يا شاويش يا شاويش، دنا كنت سارح فى الملكوت».
الرسام الإيطالى الذى اتخذ لنفسه اسما فنيا على الانستجرام يعنى حرفيا «من وضع يده فى الفوضى» أو مانى نيل كيوس (Mani nel kahos) أقام فى القاهرة أكثر من سنتين بمحض المصادفة لأسباب شخصية، وأراد أن يعرض لوحاته الأسبوع الماضى بمتحف محمود مختار قبل أن يرحل عنها ويغادر مجددا إلى بروكسل حيث يعيش منذ عام 2009، وقد أسس هناك جمعية ثقافية تعمل مع اللاجئين من حوالى سبع سنوات وأطلق عليها «المتحف غير الدائم للاغتراب».
•••
خلال فترة وجوده بمصر تعود أن يجوب شوارع المدينة لساعتين يوميا على الأقل، يمشى على قدميه ليكتشف ويتأمل حركة البشر وعلاقتهم بالمكان، ثم يعود إلى منزله ليفرغ جعبته فورا على اللوحة البيضاء ويرسم بالحبر الصينى مشاهداته أو ما تبقى فى ذهنه من صولاته وجولاته. يتحدث العامية المصرية التى تعلمها هنا من فرط تفاعله مع الناس والأصدقاء، لذا تحمل لوحاته أحيانا عناوين مثل «إن غاب القط إلعب يا فار»، «على راسى»، «كلم الباشا»، فمن متابعته للحركة والعلاقات داخل الأحياء فهم مثلا أن فى كل حى أو منطقة شعبية هناك شخصية محورية، هو الباشا الذى يأمر فيطاع، صاحب محل أو مقهى، رجل له سطوة على الآخرين أو هيبة معينة، ما يجعله يتمتع بوضعية خاصة.
لوحة أخرى بعنوان «تمارين الصباح» تصور القاهرة فى صباحات الجمعة، حين تبدو أقل صخبا ويتريض الناس فى الشوارع على راحتهم. حركتهم تختلف تماما عن تلك التى نشاهدها فى لوحات مثل «محطة رمسيس» أو «العتبة» التى تعج بالبشر ويضطر فيها الفرد دوما على مسايرة الآخرين والسير معهم فى الاتجاه نفسه حتى يصل إلى النقطة التى يريد، وذلك وفقا لملاحظات دانييلى مانو الذى يميز بين زحام العتبة ورمسيس، سمعيا وبصريا: «فى العتبة تتراكم الأشياء والبضائع، وهذا هو أساس الحركة، ناس تتنقل محملة بحاجيات مختلفة، أما رمسيس فالبشر هم محور الحركة، كما أن الأصوات التى نسمعها هنا غير تلك التى نسمعها هناك. فى العتبة الباعة ينادون على بضاعتهم ويحاولون إغراء المارة بالأسعار، أما فى موقف رمسيس وداخل المحطة فالجميع يصيح تقريبا بأسماء المدن المصرية».
•••
التقط الفنان دلالة مركزية المكان. همسة من هنا، همهمة من هناك، صراخ يأتينا من بعيد، وضجيج وطحن لا ينتهيان. ثم يصحبنا إلى دبيب حياة المساء من خلال بعض اللوحات التى نفذها أيضا بأسلوب الخيامية، لكن بالألوان هذه المرة على خلفية من القماش الأسود، فقاهرة الليل غير قاهرة النهار، ونحن فى كل الأحوال لا نرى أثرياء المدينة فهم لا يحتلون المركز، بل يذهبون أبعد فأبعد إلى الأطراف وهوامش المدينة المتغيرة أبدا.
فن الخيامية الذى تألق فى اللوحات بشكل غير تقليدى ينقلنا إلى أجواء شوارع الأزهر والغورية وأسواقهما المسقوفة ومزيج من رائحة العطارة والخبز، وكأننا فى «خطط المقريزى». يأخذنا إلى وقت كانت فيه الخيام أنيقة متناثرة فى الفسطاط وضواحيها، إلى أوج هذا الفن أيام الفاطميين والمماليك، إلى وسط قاهرة المعز حيث يعمل إلى الآن أشرف وأحمد هاشم، اللذان ينتميان إلى عائلة من فنانى الخيامية اقتنعت أن تخوض معه التجربة وتخرج عن النمط التقليدى للتطريز على أقمشة القطن أو التيل السميكة. اشتغل معه «أسطوات الصنعة» على تفاصيل الوجوه والحركة والتعبيرات، وهو أمر ليس دارجا لديهم، فهم يعتمدون فى تصميماتهم عادة على النقوش والزخارف النباتية والأشكال الهندسية والرسومات المستلهمة من العصور الفرعونية والقبطية والإسلامية، أما مع دانييلى مانو فقد صورا قاهرة اليوم وفوضاها بعين فنان غريب عنها، يراقب ويتجول ويستوقفه ما قد يمر مرور الكرام على المقيمين الدائمين. تجربة لطيفة تشجع على المزيد من التجديد وعلى رصد تحولات القاهرة بكل أشكالها.

التعليقات