جزاء الجان - عاطف معتمد - بوابة الشروق
السبت 20 أبريل 2024 10:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

جزاء الجان

نشر فى : الثلاثاء 27 فبراير 2024 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 فبراير 2024 - 6:55 م

تعرفت فى روسيا على ألكسندر فيدروف، مستشرق جاد وإنسان محب للفكاهة. سافر ألكسندر صبيا إلى اليمن فى نهاية ستينيات القرن العشرين برفقة والده أستاذ الرياضيات تلبية لانتداب السلطات السوفيتية لدعم العلاقات مع تلك البلاد المهمة فى مدخل البحر الأحمر، وهى نفس الفترة التى سافر فيها زملاؤه إلى السد العالى فى أسوان.
التقيت ألكسندر فى بيت «صابر» ذلك المبتعث اليمنى الكريم الذى كان يدرس دكتوراه الإعلام فى شتاء روسى قارس عام 1998. كنت أزور صابر فى سكنه الجامعى فى سان بطرسبرج دعما للوحدة العربية فى الظاهر، وفى الباطن طمعا فى الوجبة الشهية التى يطهى فيها السمك السلمون مع الأرز الأبيض، كنا نأكل تلك الوجبة الساخنة وننظر بانتصار عبر النافذة إلى الثلج المتراكم فى الشوارع الغارقة فى الصقيع والضباب.
ومع صليل المعالق فى الصوانى عرفت أن ألكسندر الذى فتن باليمن فى صباه اختار بعد عودته لروسيا دراسة الأدب العربى وصار باحثا فى الاستشراق.
صرت صديقا لألكسندر، وترددت على بيته مرات عديدة، وكانت زوجته ناتاشا ترحب بى دوما، سيما بعدما صرت أحمل معى فى كل مرة الشيكولاتة البيضاء التى تحبها (من نوع ترويكا).
كان حديثى الدائم مع ألكسندر عن موضوع رسالته التى تناولت «الشعر اليمنى فى جلسات القات». رسم لى ألكسندر صورا وخيالات فريدة عن اليمن وأهلها، وحكى لى لأول مرة ما لم أكن أعرفه عن القات ودوره الاجتماعى فى تلك البلاد.
بعد ثلاث سنوات من لقائى بألكسندر وعودتى للقاهرة تعاقدت للتدريس فى السعودية، وبدلا من أن أسافر مثل زملائى إلى الرياض أو جدة أو المدينة كنت محظوظا على ما يبدو، لأن عملى جاء فى ذلك المكان الذى يفر منه المتعاقدون: جازان.
ما إن تطأ قدماك جازان حتى تعرف الجغرافيا على حقيقتها: هنا يجتمع عليك ثلاثة شياطين فى آنٍ: حرارة ساخنة تلهب الأجساد، موقع ساحلى على البحر الأحمر يرفع الرطوبة لنحو 80% فلا تستطيع التنفس، وأما الشيطان الثالث فهو «الغُبرة» وهى عواصف رملية تهب أحيانا فتحمل رمال الإقليم وتنثرها فى كل فج وشق وتسد بها الأنوف والصدور والشعب الهوائية.
فى اليوم التالى لوصولى سألت أحدهم: ماذا يعنى اسم جازان؟ دلنى الرجل على بعض الكتب التى يمكن أن أجد فيها المعنى الأكاديمى الذى ربما يرجعها إلى معنى الاجتياز والعبور، لكنه انحنى قريبا منى كى لا يسمعنا أحد قائلا «الناس هنا لديهم تفسير آخر وهو أن سيدنا سليمان عليه السلام حين عاقب الجن اختار هذا الموقع الجغرافى ليحبسهم تأديبا لهم ومن ثم سُمى المكان «جزاء الجان» ثم حُرفت إلى «جازان».
على مدار عامين تنقلت فى جازان بين البحر والجبل، صعدت جبال فيفا الخضراء التى اشتق اسمها من الفيافى العالية فترى من قممها الأرض والبحر كما لو كنت فى طائرة أو مركبة فضائية.
وبينما أجمع بيانات البحث عن الجغرافيا الطبيعية وأثرها على التنمية قابلت أحد سكان تلك القرى البسيطة، وكان يضع على رأسه إكليلا من الفل والزهور، وهى عادة جميلة عند رجال القبائل فى تلك الجبال، لأن السلام عادة يكون بتقبيل الرأس فلا يشم الإنسان إلا كل عبير طيب منعش. وبينما نتحدث معا سألنى الرجل العربى الكريم: «أتعرف أصل أشجار هذه الغابة، والقرود التى تمرح فيها، ومن أين جاء سكانها؟»
فقلت له «لا أعرف»
فقال بابتسامة بشوشة «أنا أعلمك».
كان ذلك فى عام 2002، وكانت هى المرة الأولى التى أسمع فيها ذلك التعبير، وقد وقع فى نفسى منه شىء بحكم نزق السن وقلة التجربة: كيف سيعلمنى هذا الرجل الذى لا يعرف القراءة والكتابة؟!
ثم استمر النقاش، وفى كل مرة يقول لى الرجل «أنا أعلمك»
وفهمت بتكرار الحوار أن «اعلمك« هنا تعنى «أنا أخبرك».
ولعل ذلك واضح تماما فى سؤال الناس عن أحوالهم فى هذه البلاد، فيسأل الواحد منهم صديقه «كيف حالك؟.. علومك؟»
فـ«علومك» هنا تعنى «أعطنى أخبارك الأخيرة لأطمئن عليك».
لكل ما تقدم فإننا حين نخاطب إنسانا، مهما كان مستواه فى التعليم أو الثقافة، ونقول له «شكرا لأنك علمتنى» فإن هذا دليل على أنه ساعدك بمعلومة أو فكرة أو نصيحة..لعل فيها علما وإضاءة.
من تهامة أبحرت بمركب عصرى إلى أرخبيل جزر فرسان، وهناك دلنى «مفتاح» من أهل الجزيرة على أثر قديم لكنيسة قال لى إنها من عهد الرحلات الأوروبية الاستعمارية.
طردنى القيظ مجددا من السهل إلى الجبل طمعا فى هواء منعش وخضرة باسقة فوصلت إلى غابات تقفز فيها القرود فى أنس وتناغم بين السكان. كانت المدرجات الزراعية هنا تشبه تلك التى نراها فى الصور الإعلامية فى الفلبين وجنوب آسيا (انتهزت الفرصة وتنقلت بين مدرج وآخر). أخذنى طالبى النجيب «إدريس» بسيارته ذات الدفع الرباعى إلى بيته المنحوت فوق قمة الجبل، كانت السيارة تصعد بزاوية رأسية فأرى عجلتيها الأماميتين تلامسان السماء فأغمض عينى انتظارا لانقلابها إلى الخلف ثم سرعان ما تستوى مجددا مؤملة بلوغ قمة جديدة لا نهاية لها. أخبرنى «إدريس» أن قرود تلك الجبال تقرع أبواب البيوت إن احتاجت لبعض غذاء فيرحب بها أهلها.
عامان فى جازان عرفت فيهما أن المكان ليس «جزاء الجان» بل هو كنز للجغرافى عند تقاطع الطرق، هِمت فى «صبيا» و«أبو عريش» وبلغت «رأس الطرفة» ومخارج الجبال إلى «أبها» و«خميس مشيط».
وحين كنت أصعد جبال فيفا كان يدهشى أولئك الرجال الذين يطوقون رءوسهم بأكاليل الورد والفل والياسمين حتى إذا سلمت عليهم وقبلت رأسهم شممت منهم كل عطر طيب، وحين كنت أنزل البر والسهل والوهاد كنت ألقى أولئك الذين يرتدون «الفوطة» الهندية ويجتمعون فى جلسات القات.. تلك التى رسمها فى خيالى من قبل ألكسندر فيدروف.

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات