أيّة معارضة سوريّة؟! - سمير العيطة - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 9:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أيّة معارضة سوريّة؟!

نشر فى : الأحد 28 يوليه 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : الأحد 28 يوليه 2019 - 8:55 م

انتفض الكثير من السوريين فى 2011 ضدّ السلطة القائمة نتيجة عوامل سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة. وحتّى لو تمّ دفع هذه الانتفاضة نحو التجذّر والسلاح والتلاعب بمجرياتها من قبل قوى خارجيّة. لكن من الواضح أيضا غياب الحامل السياسيّ الفاعل مع برنامج تلتفّ حوله غالبيّة السوريين بمختلف توجّهاتهم وخصوصيّاتهم بحيث يشكّل بديلا سياسيّا حقيقيّا للسلطة.. أى غياب «المعارضة» بالمعنى السياسيّ.
كانت هناك قوى سياسيّة منظّمة فى سوريا رغم الاستبداد والاعتقالات وتعسّف أجهزة الأمن. إلاّ أنّ السلطة استمالت الكثير منها ضمن إطار «جبهتها التقدميّة» تحت قيادة حزب البعث. بعد أن عرفت بعضها انشقاقات مثل الحزب الشيوعيّ التاريخيّ والاتحاد الاشتراكى (الناصريّ)، وكذلك مؤخّرا جزءٌ من «الحزب القوميّ السوريّ» العريق الذى كان منافسا شرسا للبعث فى الخمسينيات قبل منعه وتحجيمه. وجرت المحاولة للتفاهم بين السلطة والإخوان المسلمين فى منتصف الـ2000 لكنّها باءت بالفشل. على الجهة الأخرى، بقيت خارج الجبهة قوى سياسية عديدة مثل حزب العمل الشيوعيّ وحزب الشعب (الحزب الشيوعى المكتب السياسى سابقا) وغالبيّة الاتحاد الاشتراكى. نشطت هذه القوى ومعها شخصيّات معارضة فى حركة تحت عنوان «لجان إحياء المجتمع المدنى». دون نسيان وجود عدد ملحوظ من الأحزاب الكرديّة أكبرها حزب الاتحاد الديمقراطى (PYD) المرتبط بشكلٍ وثيق بحزب العمّال الكردستانى.
لقد أدّت الانتفاضة وتطوّراتها الأولى وتدخّلات القوى الإقليميّة إلى تصدّع الأحزاب «الموالية» منها و«المعارضة». إنّ حزب البعث فقد ركائزه المناطقيّة الرئيسة، خاصّة فى انتفاضة درعا وحوران، وحدثت ضمنه انشقاقات. واللافت أيضا أنّ القوى السياسية المعارضة انقسمت بين ما سمى لفترةٍ معارضة الداخل والخارج. تمثّلت قوى الخارج أساسا بـ«المجلس الوطنى» الذى أسّس فى أكتوبر 2011، والذى تأطّر حوله كثيرٌ من الناشطين غير الحزبيين على الأرض. وكانت ركيزتاه هما الإخوان المسلمون وحزب الشعب. وهذان الحزبان كانا قد انخرطا بشكلٍ قويّ فى الصراع الدامى الذى قام بين 1979 و1982 الذى انتهى بدمار حماه ومجزرة تدمر وسنوات سجن طويلة لأعداد كبيرة من المواطنين. وقد أخذ المجلس الوطنيّ صفة المعارضة الخارجيّة خاصّة لمطالبته بالتدخّل العسكريّ الخارجيّ كوسيلة لـ«إسقاط النظام»، على شاكلة الحالة الليبيّة التى تزامنت أحداثها مع الانتفاضة السوريّة، وكذلك لبحثه أن يكون «ممثّلا شرعيّا وحيدا للشعب السوريّ» حسب القاموس المستخدم. أمّا معارضة الداخل التى تمثّلت أساسا بـ«هيئة التنسيق» فقد شهدت أيضا تصدّعات كثيرة من جرّاء قمع السلطة وتباين المواقف بين أعضائها.
***
المحاولة الوحيدة لتوحيد المعارضة حول برنامج وفى جسم سياسيّ سوريّ جرت فى يوليو 2012 فى مؤتمر وطنيّ جاء ضمن مبادرة المبعوث الأمميّ الراحل كوفى عنان ذات النقاط الستّ. فشلت هذه المحاولة ومبادرة «المنبر الديمقراطى» من جرّاء تدخّل الدول الإقليميّة وذهبت سوريا بعدها إلى مرحلة الصراع العسكريّ المفتوح وأصبحت ريادة «المعارضة» بيد الفصائل المسلّحة. ولم يبقَ من كلّ الجهود حينها لتشكيل «معارضة سياسيّة» موحّدة كضرورة بحجم الآلام سوى نصّ «عهدٍ وطنيّ» يُمكن أن يصلح يوما قاعدةً لوثيقة فوق دستوريّة لمرحلة انتقاليّة.
انهار المجلس الوطنيّ سريعا بعد ذلك وتمّ تشكيل ما يعرف بـ«الائتلاف»، وانبثقت منه «الحكومة المؤقتة» التى كانت تهدف إلى إدارة المناطق «المحرّرة»، أى التى خرجت عن سيطرة الدولة، دون أن تستطيع حقّا تحقيق هذا الهدف. ثمّ أتى زمن «المنصّات»، منصّة الرياض، ومنصّة موسكو، ومنصّة القاهرة، ومنصّة الأستانة.. فى فترةٍ كانت للمفارقة أبرز ملامح الصراع فيها توسّع داعش وهيمنة دولتها الإسلاميّة على الأرض. وآلت الأمور بالنهاية إلى تشكيل «الهيئة العليا للتفاوض» التى غابت عنها معظم الشخصيّات المعارضة التى برز اسمها قبل الانتفاضة وفى زمنها الأوّل. فى حين ازدادت القوى السياسيّة المعارضة انقساما وتشرذما.
واللافت أنّه لا رابط حقيقيا اليوم بين هذه الهيئة وبين من يسيطر على الأرض، «حكومة الإنقاذ» المناهضة لـ«الحكومة المؤقتة» فى منطقة إدلب، و«مجلس سوريا الديمقراطى» و«الإدارة الذاتية» فى الشمال الشرقى. ما يطرح السؤال عن إمكانيّة أن يأخذ أيّ اتفاق يخرج من تفاوض جنيف الأمميّ مكانه فى الواقع.
***
السؤال الأهمّ هو: من هى القوى السياسيّة التى يُمكن أن تلعب دورا مهمّا فى الانتخابات المزمع إجراؤها بموجب قرار مجلس الأمن 2254 خلال 18 شهرا من الاتفاق على نصّ دستوريّ؟ الحزبان السياسيّان القويّان اللذان بقيا موجودين فى ساحة «المعارضة»، واللذان يمكن أن يحصلا على عدد ملحوظ من الأصوات، هما الإخوان المسلمون وحزب الاتحاد الديمقراطى الكردى. كلّ منهما يدير أجهزة سياسية وعسكريّة وأمنيّة. أمّا بقيّة القوى فهى ضعيفة وبالكاد يُمكنها أن تثبت وجودها على خارطة نيابيّة. وفى مواجهتها سيكون هناك حزب البعث المرتبط بالسلطة القائمة وأجهزتها وكذلك الأحزاب الحليفة له، الشيوعيّة منها أو القوميّ السوريّ. وسؤال كبير آخر هل يُمكن أن يعنى هذا أنّ المنافسة الانتخابيّة ستكون بين هؤلاء وبينهم وبين أمراء الحرب المحليين الذين يمسكون بقوت وأمن المواطنين فى مختلف المناطق؟
مقابل هذا الواقع المتشابك، تتصاعد من جديد الدعوات لتوحيد المعارضة السياسيّة، ولإنشاء جسمٍ يخرجها من حالة الانقسام والشرذمة، بعيدا عن التنظيمين القويين الباقيين. ذلك على قاعدة أنّ الإخوان لا يمثّلون معظم الشارع المتديّن ولا الـPYD معظم الأكراد. لكنّ هذه الدعوات تصطدم مع ما راكمته بعض الشخصيّات السياسيّة «العريقة» أثناء سنين الصراع الطويلة من أخطاء وانصياع لقوى خارجيّة ومن عداوات بينها. يزيد من حدّتها المراجعات التى تصدر عنها اليوم أنّها كانت دوما على حقّ رغم الإحباط القائم أمام فشل الحلم بالتغيير وأمام تلاعب الدول التى سميت يوما «أصدقاء سوريا» بمصير «ثورة».
إلاّ أنّ دروس التاريخ السورى تعلّمنا أنّ الكتلة الوطنيّة التى صنعت الاستقلال لم تكن حزبا سياسيّا بل مجموعة من الشخصيّات السياسيّة حافظت كلّ منها على مكانتها وخلقت بينها علاقات ثقة متينة تمكّنت من العمل سويّة على فرض توحيد سوريا رغم أنف الانتداب وفرض دستور عليه وكذلك الاستقلال والجلاء. وكانت تجربة الشريف حسين والملك فيصل قد حصّنتها على أنّها لا يُمكن أن تثق ببريطانيا لمناهضة فرنسا. ودرس تونس ما بعد ثورتها يعلّم أيضا أنّ تجمّعا سياسيا بالحدّ الأدنى يمكن أن يقف فى مجابهة سياسيّة مع الإخوان، رغم كلّ انقساماته وتلاعب الدول، كى يفرض مسارا ديمقراطيا ويحقّق إنجازات للمواطنين.
المعارضة تأخذ توصيفها كمعارضة من حيث إنّها تدافع عن حريّات وكرامة أطاح بهما الاستبداد. وتبقى الحريّة حُكما أكثر ضرورةً من الديمقراطيّة، فهى، أى الحريّة، تفتح الآفاق فكرا وممارسة، بينما تحتاج الثانية إلى الكثير لإرسائها ولصونها من هيمنة المال ولعبة الأمم. ويبقى الأمل معقودا على جيلٍ شابّ ذاق طعم الحريّات وجَهِدَ للدفاع عن المواطنين البسطاء وعاش الإحباط من قسوة القمع وتنامى التطرّف وتلاعب الدول.

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات