حل الدولتين بين القول والفعل - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأحد 25 فبراير 2024 2:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

حل الدولتين بين القول والفعل

نشر فى : الثلاثاء 28 نوفمبر 2023 - 6:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 نوفمبر 2023 - 6:35 م

منذ عملية «طوفان الأقصى» التى قامت بها المقاومة الفلسطينية فى المستوطنات الإسرائيلية فى غلاف غزة فى 7 أكتوبر 2023، وكلما تطرق الحديث إلى ضرورة الوقف الدائم لإطلاق النار، وما سيؤول إليه الوضع فى غزة على ضوء إعلان إسرائيل بتأييد أمريكى بإنهاء قوات وحكم حماس ومعها حركة الجهاد الإسلامى، يؤكد الجميع، سواء من يؤيدون إسرائيل بالمطلق، أو من يرون أنه من حق المقاومة الفلسطينية مقاومة الاحتلال الإسرائيلى، أو المنظمات الإقليمية والدولية، الكل يجمعون على ضرورة وأهمية العمل من أجل تحقيق حل الدولتين، أى إقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عاصمة لها، جنبا إلى جنب مع إسرائيل.
• • •
فكيف نشأت وتطورت فكرة إقامة دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية على أرض فلسطين التاريخية؟ كانت البداية بصدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 بأغلبية الأعضاء واعتراض 13 دولة كان من بينها الدول العربية الست الأعضاء فى الأمم المتحدة وقتئذ، وأوضح المعترضون أن القرار مجحف بحق الفلسطينيين ويحابى الإسرائيليين وأنه ينبغى التقسيم على أساس أن عدد الفلسطينيين يفوق بمراحل عدد اليهود فى فلسطين. ونفذ الجزء الخاص بإسرائيل فى القرار، وبقى ما يخص الفلسطينيين معلقا وانتهزت إسرائيل حرب 1948 واستولت على مساحات إضافية من القسم المخصص للفلسطينيين بحيث بلغت نسبة الأراضى التى استولوا عليها 72% من إجمالى أراضى فلسطين التاريخية.
وعندما تقدمت إسرائيل بطلب عضوية فى الأمم المتحدة، اشترط لذلك أن تقبل وتلتزم بقرار تقسيم فلسطين، وبقرار عودة اللاجئين وتعويضهم. وظلت تماطل حتى عام 1949 حيث رضيت وأعلنت قبولها بالقرارين، ومن ثم فإن عضويتها فى الأمم المتحدة ظلت رهنا بالتزامها بتنفيذ القرارين من الناحية الشكلية، فلم يطبق أى منهما، رغم عدم إلغائهما. وكانت إسرائيل تدفع دائما بأن الدول العربية رفضت قرار التقسيم ومن ثم فهو غير ملزم لإسرائيل. وهذه مغالطة كبيرة لأن القرار تم تنفيذه، وأن قيام إسرائيل يعتمد على قرار التقسيم شهادة ميلادها، وبدونه تصبح دولة ساقطة القيد. كما أن قرار عودة اللاجئين وتعويضهم لم ترفضه الدول العربية ومازال قائما، رغم إنكار إسرائيل الالتزام به بل ورفضه.
كانت اتفاقية أو معاهدة «أوسلو 1» والمعروفة بإعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتى الانتقالى للفلسطينيين، بمثابة اتفاق سلام وقعته منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل فى واشنطن فى 13 سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأمريكى كلينتون كضامن للاتفاقية التى تم بموجبها قبول منظمة التحرير الفلسطينية إقامة الحكم الذاتى والذى فى نهايته ستقام الدولة الفلسطينية على الأراضى التى احتلتها إسرائيل عقب 4 يونيو 1967، وهى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ومساحتها جميعا أقل بكثير مما ورد فى الخرائط المرفقة مع قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، أى إن السلطة الفلسطينية تنازلت عن ما نص عليه قرار التقسيم. وكان من المفترض أن يجرى استفتاء فى نهاية خمس سنوات من توقيع الاتفاقية على استقلال دولة فلسطين، ولكن انتهى الأمر باغتيال اليمينى الإسرائيلى المتطرف رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين، وتوقفت من الناحية العملية عملية السلام رغم استمرار المفاوضات لمجرد إدارة القضية وليس حلها، وأصبحت السلطة الفلسطينية فى رام الله، من الناحية الفعلية، تملك جزئيا ولا تحكم إلا إداريا فى بعض مناطق الضفة الغربية، وقطاع غزة تحكمه حماس منذ 2007 تحت السيطرة التامة لسلطات الاحتلال الإسرائيلى، ولم تكف إسرائيل عن التوسع فى المستوطنات غير الشرعية فى الضفة الغربية وإنشاء مستوطنات جديدة، والمضى فى تهويد القدس الشرقية، واحتواء الفلسطينيين اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، وفرض كل ما يمكن من قيود مادية واقتصادية ومالية وسياسية وأمنية وقانونية عليهم.
طرحت خارطة الطريق فى عهد الرئيس الأمريكى بوش الابن لتجهز على ما تبقى من اتفاق أوسلو وتعطى إسرائيل فرصة للهروب إلى الأمام والدخول فى متاهات مفاوضات جديدة فى شكلها، ولكنها موضوعيا تراوح مكانها دون إحراز أى تقدم يذكر على طريق إقامة الدولة الفلسطينية. وبعد أن استهلكت كل مسارات خارطة الطريق، طرحت فكرة حل الدولتين من جديد، وعادت المفاوضات العبثية والمراوغات الإسرائيلية فى أعلى صورها إلى أن يئس الجانب الفلسطينى وتوقفت المفاوضات، ولكن بقى الحديث فى كل مناسبة تتطرق إلى القضية الفلسطينية عن حل الدولتين.
• • •
والآن، وبعد مرور 30 سنة على توقيع اتفاق أوسلو، يتحدث الجميع عن ضرورة الإسراع بإنجاز حل الدولتين، حيث أثبتت الحرب الدائرة على غزة منذ 7 أكتوبر 2023 حتى الآن، أن السبيل الأفضل لتحقيق السلام والاستقرار والأمان لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين هو حل الدولتين بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، ويعيشان معا فى سلام وأمان. وأن هذا المطلب يقتضى إلقاء نظرة على الظروف والأوضاع الحالية لكل من الأطراف الرئيسية المعنية بتحقيق حل الدولتين.
أولا، بالنسبة لإسرائيل، فإنه من المتوقع ــ عقب التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار فى حربها على غزة، أن يتعين الاستجابة لمطالب ملحة من الأحزاب السياسية والرأى العام الإسرائيلى باستقالة أو إقالة حكومة بنيامين نتنياهو الائتلافية وإجراء انتخابات جديدة لا يتوقع أن تجرى قبل أواخر مارس أو أوائل أبريل 2024، وعادة ما يستغرق تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات نحو شهر ونصف الشهر، أى الاقتراب من يونيو 2024، مع الأخذ فى الاعتبار سعى نتنياهو إلى تأخير التوصل إلى وقف تام لإطلاق النار أطول مدة ممكنة لأن ذلك سيكون فيه النهاية لمسيرته السياسية وتقديمه للمحاكمة بتهم سابقة وأخرى مستجدة ومنها الإهمال فى الاستعداد لاحتمالات هجوم المقاومة الفلسطينية فى 7 أكتوبر 2023 وما ألحقه بإسرائيل من مهانة.
ثانيا، فيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية من ناحية، وما سيكون عليه وضع حماس فى غزة من ناحية أخرى عقب الوقف التام لإطلاق النار، حيث تدل الشواهد على أن حماس لن تسلم بالتخلى عن مكانتها فى غزة، خاصة بعد عملية «طوفان الأقصى»، وهو ما رفع كثيرا من شعبيتها لدى الفلسطينيين، رغم ما تكبدوه من خسائر فادحة على كل المستويات فى غزة، ولم تسلم منها الضفة الغربية. وهل يمكن فى المرحلة الانتقالية تشكيل حكومة ائتلافية تختار حماس وزراء مستقلين يمثلونها فيها مع السلطة الفلسطينية، وذلك إلى أن تجرى انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية؟ وكانت آخر مرة أجريت فيها فى عام 2005 للرئاسة، وعام 2006 للتشريعية التى فازت فيها حماس بالأغلبية. وهل تقبل السلطة الفلسطينية وإسرائيل الإسراع بإجراء هذه الانتخابات مع الأخذ فى الاعتبار، حتى ولو بأضعف الاحتمالات، أن تفوز حماس فى الانتخابات التشريعية وتتكرر من جديد المشكلات التى ترتبت على انتخابات 2006. وإزاء ما صرح به الرئيس الأمريكى بايدن من أن غزة بعد الحرب تحكمها مع الضفة الغربية سلطة فلسطينية متجددة، وواضح أنه يعنى سلطة تخلف الرئيس محمود عباس. وإذا تم ذلك، يتعين أن يكون عن طريق انتخابات رئاسية جديدة، فمن سيكون المرشح المقبول من الفصائل المكونة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا ترفضه حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامى؟ وهل يمكن أن تكون الحرب الوحشية الإسرائيلية على غزة، والاعتداء والاغتيالات اليومية على الضفة الغربية، عاملا لتوحيد الصف الفلسطينى لمواجهة الاحتلال الاستيطانى الإسرائيلى، والمساهمة الإيجابية فيما يبذل من جهود لتحقيق حل الدولتين الذى طال انتظاره؟ أسئلة لا توجد إجابات واضحة لها.
ثالثا، إدارة الرئيس الأمريكى بايدن، الذى سبق أن قال عند زيارته الأولى لإسرائيل إن حل الدولتين هو الأفضل ولكنه فى ظل الظروف القائمة بعيد المنال، وقد أعاد مقولته هذه عند محاولته التهرب من مطلب الوقف الكامل لإطلاق النار فى الحرب الإسرائيلية على غزة الآن، بأن الأفضل هو حل الدولتين صعب المنال.
إن للدور الأمريكى أهمية خاصة فى أى تسوية سياسية للصراع الإسرائيلى الفلسطينى، بحكم الارتباط الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل التى تعتبرها إحدى الولايات الأمريكية. وبحكم الواقع، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية ليس لديها أى استعداد لمجرد الحديث عن حل الدولتين، ومن ثم يتطلب الأمر انتظار الحكومة الإسرائيلية الجديدة فى يونيو 2024، وحينئذ يكون الرئيس بايدن على بعد خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى ستجرى فى أوائل نوفمبر 2024، وبذا يكون أمامه اختياران بالنسبة لمسألة حل الدولتين، أحدهما أن يعمل بكثافة مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة لإنجاز هذا الحل ويحقق بذلك مكسبا كبيرا يساعده فى حملته الانتخابية واستعادة الجزء الأكبر من شعبيته التى تدنت حسب آخر استطلاعات الرأى إلى 19% فقط. وهذا الاختيار ضعيف للغاية إزاء ما يعرف من أن الرئيس الأمريكى يكون «بطة عرجاء» فى سنة الانتخابات الرئاسية. أما الاختيار الثانى، فهو الانتظار لتولى الرئيس الأمريكى الجديد، سواء بايدن أو غيره، فى 20 يناير 2025 للنظر فى حل الدولتين ومدى اهتمامه به.
• • •
إن ما يمكن استخلاصه هو أن حل الدولتين مطلب ينادى به ويطلبه الجميع، إما لرغبة حقيقية فى إنجازة فى أقرب وقت ممكن على ضوء ما ثبت عمليا من أن الحروب والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين فى الضفة الغربية وقطاع غزة لن تقضى على المقاومة الفلسطينية أو تدفعها إلى التنازل أو المساومة على حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، وأن إسرائيل لن تحقق الأمن والسلام دون ذلك، وإلا فإنها ستبقى دولة استعمارية غريبة ليست مستعصية على تهديد أمنها واستقرارها. وإما من يرغبون فى أن يكون حل الدولتين مجرد شعار لإهدار الوقت فى مفاوضات بلا إعلان نوايا ولا جدول أعمال ولا نتيجة ملموسة تنهى الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية وتحقق حل الدولتين.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات