ما بعد الحرب.. زلازل وأوزان! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2026 11:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ما بعد الحرب.. زلازل وأوزان!

نشر فى : الأحد 29 مارس 2026 - 8:55 م | آخر تحديث : الأحد 29 مارس 2026 - 8:55 م

عندما تنقضى الحرب، تنشأ بعد وقت، أو فى وقت لاحق، زلازل وتتقرر أوزان، ويختلف كل شىء بعدها.

أهم التساؤلات التى سوف تطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث فى بنية النظامين الإقليمى والدولى؟

بقوة الحقائق الماثلة، فإن تغييرًا جوهريًا سوف يلحق ببنية النظام الدولى المتهالك، ويخفض فى المدى المنظور من مركزية الدور الأمريكى، التى أخذت مداها بعد انتهاء الحرب الباردة فى أوائل تسعينيات القرن الماضى.

تراجع الدور الأمريكى مرجح تمامًا، لكنه لن يغادر مقعد القيادة مرة واحدة.

الصينيون ليسوا فى عجلة من أمرهم لتولى القيادة، يتحسبون ولا يتورطون.

الروس بدورهم يأملون فى توظيف المستجدات لاستعادة بعض ما كان لهم أيام الاتحاد السوفييتى السابق.

شىء جوهرى سوف تستبين حقائقه فى بنية النظام الدولى بعد وقت لن يطل.

شىء جوهرى آخر سوف يضرب أطلال النظام الإقليمى المتهالك ويؤسس لأوضاع مختلفة كليًا.

إذا انكسرت إيران، فإن الإقليم كله سوف ينكشف أمام سطوة القوة الإسرائيلية، وتهمش مركزه التقليدى.

الأوزان الجيوسياسية سوف تقلب رأسًا على عقب حين تتبدى من تحت النيران حروب طائفية وعرقية خطرة ومنذرة، وحقبة إسرائيلية تطلب الفوضى وتستثمر فيها.

لم تكن مصادفة، أو تفلت عبارات وألفاظ، أن يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» مختالًا بسيناريوهات كسر إيران والانفراد بقيادة الإقليم أن «المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان»، قاصدًا أن القوة أفضل من المحبة والتسامح، وجرائم الحرب أجدى من القانون الدولى وحقوق الإنسان.

كانت تلك العبارة، بحمولتها السياسية، تعبيرًا حقيقيًا عن مجرم حرب تلاحقه المحكمة الجنائية الدولية بمذكرة توقيف.

إنها هيستيريا تصورت للحظة، كما قال نصًا، أن دولة الاحتلال توشك أن تصبح «قوة عظمى» تشارك أمريكا قيادة العالم.

غير أن الحقائق داهمت الأوهام.

بعد شهر كامل، أخفقت الحرب على إيران فى تحقيق أى من أهدافها المعلنة.

أعاد النظام إنتاج نفسه بعد مقتل المرشد الأعلى «على خامنئى» وأغلب قيادات الصفين الأول والثانى، وبدت طهران عصية على السقوط.

بدأ الضجر يضرب الرأى العام الأمريكى من حرب غير قانونية وغير مبررة، وبلا سردية متماسكة بأن هناك مصلحة لبلادهم فيها.

أخذت شعبية الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» تتراجع بمعدلات غير مسبوقة وفق استطلاعات الرأى العام.

لاحت اعتراضات جوهرية عليه داخل حركة «ماجا ــ لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، التى استشعرت غالبيتها أنها قد خدعت فى وعوده الانتخابية ألا يدخل حربًا خارج الولايات المتحدة.

ثم جاءت أزمة النفط لتوجه ضربة كبيرة لمصداقيته، حتى تلخصت أهدافه من الحرب فى فتح مضيق هرمز أمام نقل شاحنات النفط، الذى كان مفتوحًا قبل مغامرته العسكرية!

لم تكن مصادفة ثانية، أن تبادر ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل جغرافى وسكانى وعسكرى، مصر وتركيا وباكستان، بالتوسط بين أمريكا وإيران لمنع التصعيد، الذى يتهددها بمخاطره على وجودها ومستقبلها.

الأمريكيون يبحثون عن مخرج سياسى، والإيرانيون يعانون تحت وطأة الحرب.

هذه حقيقة لا يمكن نفيها، غير أن المعضلة الرئيسية هنا، اتساع فجوة الثقة بين الطرفين المتحاربين إلى حدود يصعب ترميمها بإجراء أو آخر.

لمرتين متعاقبتين، قطعت إدارة «ترامب» مسار المفاوضات حول المشروع النووى الإيرانى، رغم ما كان يقال عن اختراقات كبيرة تحدث بعمليات عسكرية مفاجئة استهدفت المشروع النووى فى الأولى، والنظام نفسه فى الثانية.

ليس هناك ما يمنع، والشواهد حاضرة، من تكرار اللعبة نفسها لمرة ثالثة.

كان مثيرًا للالتفات دعوة «ترامب» للإيرانيين أن يكونوا هذه المرة «أكثر جدية قبل فوات الأوان»، فيما كان عشرة آلاف جندى أمريكى يتحركون إلى الشرق الأوسط استعدادًا لتوجيه ما أسماه هو نفسه «الضربة القاتلة»!

فى حسابات الحرب والتفاوض، تناقضت بفداحة مطالب الطرفين المتحاربين؛ الأمريكى أعد قائمة من خمسة عشر بندًا أقرب إلى وثيقة استسلام، والإيرانى رد بقائمة مطالب مضادة من خمسة بنود أقرب إلى وثيقة إذلال.

كان ذلك تحديًا يصعب تذليله بسهولة أمام الوسطاء.

كل ما يريده «ترامب» أن يخرج من المأزق الإيرانى بأقل خسائر ممكنة، أو أن يعلن انتصاره بصورة قابلة للتصديق داخل المجتمع الأمريكى أولًا، وبين حلفائه الأوروبيين ثانيًا، الذين رفضوا دعواته المتكررة للانضمام إلى حملته العسكرية لفتح مضيق هرمز، ثم إلى العالم، الذى سقطت هيبته أمامه.

لا يمكن استبعاد، على خلفية ذاتيته المتضخمة، التى تتوهم أن كل شىء فى الكون يدور بإشارة منه، أن يميل إلى تشديد العمليات العسكرية، لا إنهاء التصعيد.

وكل ما يريده النظام الإيرانى، الحفاظ على وجوده وعدم التفريط فى مشروعه الصاروخى الباليستى ودوره الإقليمى، أو حقه فى تخصيب اليورانيوم، أو أن يضمن عدم العدوان عليه مجددًا، بالإضافة إلى الحصول على تعويضات مالية للخراب الواسع الذى لحق ببنيته التحتية.

رغم التماهى الترامبى مع التصورات الإسرائيلية للحرب، إلا أنه تبدت شقوق فى الجدار استدعتها خلافات بشأن حدودها وما بعدها.

فى البداية، تصور «ترامب»، بإيعاز من «نتنياهو» والمجموعة الموالية لإسرائيل فى البيت الأبيض، أنها سوف تكون «نزهة سريعة»، بتعبير «ترامب» نفسه.

لم تكن الحرب «نزهة سريعة»، أو مأمونة العواقب.

يرغب الآن فى صفقة تحفظ ماء وجهه، لكنه يطلب بالضبط: التفاوض مع نفسه.

تقوضت أوهامه عن أنه «رجل سلام» حرم من جائزة «نوبل»، بوسعه فى نفس الوقت أن يأمر فيُطاع!

«لا ضرورة لمجلس السلام إلا فى إطار خطة إعادة إعمار غزة»

كان ذلك التصريح لأمين عام الأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش» ضربة تشى بالحقائق الجديدة، التى سوف تأخذ مداها تاليًا.

يتبقى فى اختبارات القوة الماثلة، الاستهداف الإسرائيلى لتوسيع المنطقة الأمنية فى جنوب لبنان قبل أى مفاوضات مقترحة.

هذا اختبار حاسم يتعلق بأسئلة التطبيع ومشروع إسرائيل الكبرى، التى تتغول على الأراضى العربية بأكثر من اتجاه: الضفة الغربية والقدس وغزة فى فلسطين المحتلة، وسوريا ولبنان والعراق فى المشرق العربي، حتى مصر والسعودية حسب تصريحات إسرائيلية متواترة.

فى هذه اللحظة بالذات، تكاد تنطلق المخاوف كلها من مكامنها.

القضية ليست إيران بقدر ما قد يحدث من زلازل جيوسياسية فى أعقاب الحرب عليها، مستقبل النظام الدولى وقبله الإقليم، ومصر فى قلبه.