حالة فردية جدا - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 3:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


حالة فردية جدا

نشر فى : الجمعة 29 يوليه 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يوليه 2016 - 9:30 م
خرج علينا بعض المسئولين تبريرا للجرائم التى ارتكبت ضد المسيحيين فى أكثر من مكان بالقول أنها (حالة أو حالات فردية) بداية من العمد وشيوخ الخفر وقيادات الأزهر إلى المحافظين ورئيس الوزراء، وهم يظنون أنهم بقولهم هذا سوف تهدأ النفوس الثائرة وتبتسم الشفاه المذمومة وتنفرد الجباه المنقبضة وتستريح النفوس المتعبة. وهؤلاء الذين رأيتهم مهمومين ومتعبين ومنقبضين مما حدث لم يكونوا فقط من المسيحيين المصريين؛ بل أكثر من 95% منهم من المسلمين لأن الشعب المصرى بمسلميه ومسيحييه وغير ذلك من أكثر الشعوب طيبة واحتراما ورقيا.

لذلك أريد هنا أن أتحدث عن فئتين ضمن الشعب المصرى بالتحديد بعيدا عن هذه الأغلبية الطيبة؛ الفئة الأولى: هم جماعة الخارجين عن القانون الذين بدأ باستخدامهم وزير الداخلية الأشهر فى عهد مبارك، واليوم هم فى خدمة من يدفع لهم مهما كان. وهؤلاء يغيرون جلودهم ومظهرهم طبقا للأحداث، فعندما تكون هناك مظاهرات وتوترات لسبب أو آخر يخرجون على المتظاهرين يرتدون «تى شيرتات» و«بنطلونات جينز» ويضربون المتظاهرين بالأسلحة البيضاء والعصى، وعندما يكون الأمر طائفيا يطلقون لحاهم ويلبسون ثياب المتدينين. أنا أعرف سلفيين كثر معظمهم يرفضون تماما هذه التصرفات وهم لا يعرفون المجاملة بطبيعتهم، فلو كان رأيهم غير ذلك لتحدثوا صراحة، وهناك من الإخوان أيضا من يرفضون هذا السلوك وهؤلاء وأولئك يعلنون رفضهم. صحيح أن معظم السلفيين يرفضون التعييد على المسيحيين وهم يعلنون ذلك دون مواربة، لكنهم يتعاملون معهم بمنتهى الاحترام ويتعاونون معهم فى كل الأمور بتواضع شديد. وصحيح أنهم يؤمنون بالجزية على أهل الذمة لكنهم يقولون إن الجزية يدفعها المصريون جميعا حيث (أصبحوا أهل ذمة) عند الدولة يدفعون الجزية تحت مسمى الضرائب، لكن لو كانت فعلا ضريبة لعادت أموالهم إليهم فى صورة خدمات وهذا ما لا يحدث، لذلك يقولون ساخرين علينا أن نسمى الأشياء بمسمياتها فالغالبية من المسيحيين والمسلمين يدفعون (جزية).

***

السؤال الآن متى تتحرك الفتنة؟ تتحرك الفتنة عندما تلوح فى الأفق أزمة سياسية أو اقتصادية. وكان هناك عمودين يستند عليهما لإلهاء الناس (الرياضة، الفتنة الطائفية) ، والآن الرياضة بلا جمهور فلا طريق لإلهاء الناس عما يحدث سوى الفتنة الطائفية. من يصنع الفتنة إذن؟ إنهم هؤلاء الشباب المأجورين وهم موجودون تحت الطلب فى كل قرية ومدينة ومعروفون بالاسم، عندما تصدر إليهم الأوامر بالتحرك يتحركون، ودليلنا على ذلك أنه لم يقبض على أحد منهم بعد الأحداث والذين قبض عليهم أطلق سراحهم، والمحاضر التى كتبت ضدهم أعيدت كتابتها.... إلخ.

هذه المنظومة واضحة جدا لكل باحث عن الحقيقة. وكل باحث مدقق عليه أن يذهب لهذه القرى التى تحدث فيها مثل هذه الحوادث أو المرشحة لذلك فى المستقبل. بالفعل ذهب بعض الإعلاميين الشباب والباحثين وقد حكى أهل القرية الكبار الذين لا يتعامل معهم أحد لأنهم يريدون الأمن لقراهم وجيرانهم وأولادهم وبيوتهم وبهائمهم وثرواتهم، لذلك مثل هؤلاء لا تجدهم فى الصورة نهائيا. وقد حكوا للإعلاميين والباحثين الذين التقوا بهم عن هؤلاء الشباب الذين لا يعملون ويبحثون عن دور ومستعدين لفعل أى شىء بشرط ألا يضاروا إن لم يستفيدوا. وبالطبع هذه الطريقة وهذا الأسلوب كان لابد وأن يتوقف بعد 25 يناير ثم بالأولى بعد 30 يونيو، لكن هذا لم يحدث.

وأعود لعنوان المقال «حالة فردية خالص» فمن سوء حظ من قال هذا التعبير إنه قد تزامن ذلك مع ذبح طفل لا يتعدى عمره 13 سنة من جماعة النصرة الإرهابية، وفى اليوتيوب أمسكوه أربعة من العسكر وأخذوا يرفعون وجهه لأعلى ويربتون على رأسه وخديه كما يفعل الجزار بالحمل الذى سيذبحه، وإذ بنور الدين الزنكى قائد جماعة النصرة ــ بعد أن أدان العالم وخاصة أمريكا التى تمولهم فعلتهم ــ يخرج ليقول إنها حالة فردية!! ألا يعلم أصحاب مصطلح «حالة فردية» إن هذه النوعية من الأعمال لا يمكن تبريرها لا بالأخلاق أو السياسة ولا بالدين أو أى شىء آخر. فبيان الإدانة الذى أصدرته حركة نور الدين الزنكى كان يجدر بها أن تراجع نفسها وأن تعرض من فعلوا ذلك على محاكمة فورية وأن تتحمل المسئولية، فما بالك بدولة عريقة مثل مصر، تتعرى امرأة ويقتل شاب وتحرق منازل، وتشرد عائلات ونقول «حالة فردية»!! لا محكمة ولا قانون. نرتد من دولة إلى قبيلة تتحكم فيها الأعراف «بيت العائلة«؛ محكمة صلح عرفية ليس فى يدها عقاب أحد أو إحالة أحد للمحاكمة، ومن يمثل المسيحيين فيها لم يثبتوا قدرتهم على إقرار العدل.

إننا نسأل كل من قال «حالة فردية» أليست جريمة؟ كان عليه أن يجيب عن هذا السؤال أولا قبل أن يقول «حالة فريدة»، لا شك أن مثل هذه الجرائم مدانة بكل المقاييس ويجب أن يعاقب عليها كل من ارتكبها، وإن كانت هناك حالة لم تحدث مثلها من قبل أو ما يشابهها فلتكن فردية هذه المرة لكن هذا لا يبرر وقوعها، ولا يبرر عدم عقاب من ارتكبها. إن مثل هذه الأساليب تعبر عن محاولة للتنصل من المسئولية، على ما جرت العادة، بإحالة ما جرى إلى مجرد خطأ فردى فى وضع باتت فيه الأخطاء تطغى على فرحة ثورة 30 يونيو وتزعزع شرعيتها وتقوض صدقيتها وتبين عودة نظام مبارك. فالأحداث تبين نفس الممارسات والأخلاقيات وانتهاك المعايير الدولية واستهتار بحياة البشر. وقصة «ريجينى» الصحفى الإيطالى مازالت فى الأذهان ورفض البرلمان الإيطالى إعطاء قطع غيار الطائرات إف 16 لمصر كارثة، والبيان الذى صدر بأن التحقيقات المصرية التى أرسلوها ليس لها مصداقية بل ساذجة ومخادعة. إن هذه الأمور لها وقع رهيب على السياسة الخارجية المصرية وأكثر من يضار منها هو النظام القائم الذى ينظر المصريون إليه على أنه صمام الأمان حتى لا تقع مصر فى براثن الإرهاب، ولم يتبق للنظام سوى هذه الفضيلة وهى ليست قليلة أو بسيطة فى ضوء ما يحدث حولنا.

***

إن الأهداف النبيلة التى ذكرها السيسى أكثر من مرة فى خطاباته لابد وأن يتم تأييدها وتسليحها بوسائل نبيلة، وفى هذا الإطار يجدر إدراك أن الجريمة جريمة ولا توجد جريمة بيضاء وأخرى سوداء، أو واحدة خيرة وثانية شريرة، ومن المستحيل أن ترتكب جريمة باسم الله. أن يخرج أحد الشيوخ ويتحدث عن منع بناء الكنائس حتى لو كان هناك قانون فهؤلاء الشيوخ من فصيلة الشباب الذين يخرجون فى الوقت المناسب لعمل محدد ثم يختفون. إن مثل هؤلاء الشيوخ يتحدثون عن مجرمين نبلاء مؤمنين وهذه فى حد ذاتها جريمة وعلينا أن ندرك أنه لا توجد جريمة تبرر جريمة أخرى.

***

بلا شك أن ما وقع فى مصر فى هذه الأيام ليس حالة فردية وأيضا ليس حالة عامة لأنه لم تحدث حتى الآن صدامات من نوع طائفى، لكن تكرار الحالات الفردية تشكل نهجا لأعداء ثورة 30 يونيو ترتفع وتيرتها شيئا فشيئا مع حالة استياء عامة من المصريين جميعا الذين لا يطيقون التوتر الدائم وعدم الاستقرار. وهنا يولد المناخ النموذجى للاضطرابات والفوضى، لذلك لابد من إدانة هذه الأعمال وتجريمها وعزل القائمين بها ومحاكمتهم محاكمة عادلة، لقد آن الأوان لوضع حد للمحاكم العرفية وفوضى الفتوى والمفتين وغيرهم. نحن نريد استعادة أغنيات وأناشيد ثورة 30 يونيو مع فرحتنا وبهجتها وهذا لن يحدث إن لم تتحقق مبادئ الحرية والكرامة والمساواة بين المواطنين فى دولة ديمقراطية مدنية، هذا هو التحدى الأخلاقى والسياسى الذى يفترض بالثورة بمكوناتها السياسية والعسكرية وذلك لاستعادة صدقيتها وعقلانيتها وصورتها النبيلة (السيسى فى الكاتدرائية) ولتأكيد شرعيتها وضرورتها.

ولا يوجد بديل لذلك سوى الفوضى غير الخلاقة.

من أقوال السيد المسيح: «من له أذنان للسمع فليسمع».
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات