الصهيونية في الحرب العالمية الأولى.. وعد بلفور! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 7:18 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الصهيونية في الحرب العالمية الأولى.. وعد بلفور!

نشر فى : السبت 30 مارس 2024 - 5:40 م | آخر تحديث : السبت 30 مارس 2024 - 5:40 م
كانت آخر المؤتمرات الصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى قد عقدت فى فيينا عام ١٩١٣، لتتسبب الحرب فى توقف عقد المؤتمرات وإن لم توقف أبدا جهود الصهاينة لتحقيق حلم الدولة على الأرض!
فى الحقيقة علينا أن نعترف، وبغض النظر عن أن الاستيطان اليهودى فى فلسطين تم بطرق ملتوية وتحت غطاء الاستعمار، إلا أن الصهاينة قد بذلوا الجهد المخلص لتحقيق حلمهم! هذه ليست دعوى للتعاطف مع الصهيونية أبدا، ولكنه إيضاح لابد منه لأسباب النجاح والفشل فيما يتعلق بالمشاريع الأيديولوجية أو السياسية الكبرى، الاجتهاد والعمل الدءوب المخلص هو بالفعل أحد أسباب النجاح!
فى ١٩١٤ اندلعت الحرب العالمية الأولى بين دول الوفاق (بريطانيا، فرنسا، روسيا، بلجيكا، إيطاليا)، ولاحقا انضمت لهم الولايات المتحدة الأمريكية، ضد دول المركز (ألمانيا، الإمبراطورية النمساوية ــ المجرية، بلغاريا، والإمبراطورية العثمانية). كانت فلسطين وقتها تابعة للعثمانيين، فعرف الصهاينة على الفور أنها فرصتهم الذهبية للاتحاد مع الحلفاء ضد دول المركز، وداخل الحلفاء كان رهانهم بالطبع على بريطانيا العظمى باعتبارها القوة الأبرز عالميا، وبالطبع لم يكن هذا الرهان جديدا، فمنذ أيام المؤتمرات الصهيونية الأولى التى عقدت قبل نهاية القرن التاسع عشر، وضع هرتزل البصلة موجهة إلى بريطانيا، فقوة الأخيرة المادية والسياسية والعسكرية كانت وسائل تحقيق الحلم الصهيونى وهو ما كان بالفعل!
هنا جاء دور حاييم وايزمان ــ القيادى الصهيونى الذى تناولته مقالات هذه السلسلة من قبل ــ فبعد اندلاع الحرب العالمية، قرر وايزمان تكثيف الضغوط على الساسة البريطانيين لتبنى الحلم الصهيونى وتحقيقه على الأرض، من خلال الاتحاد الصهيونى فى بريطانيا العظمى وأيرلندا بقيادة والتر روتشليد الذى تبنى مهمة التنسيق مع السياسى اليهودى البريطانى البارز وقتها هربرت صامويل، حيث تولى الأخير الترتيب للضغط على الحكومة البريطانية لتحقيق الدولة اليهودية على الأرض! فى ديسمبر من عام ١٩١٤ تم ترتيب لقاء بين وايزمان وصامويل وكان لقاء ناجحا، حيث رأى صامويل أن مطالب الوطن القومى لليهود فى فلسطين مطالب مقبولة ويمكن إقناع الحكومة البريطانية بها!
بعدها فورا قابل وايزمان آرثر بلفور وكان وقتها أحد القادة البارزين فى حزب المحافظين المعارض. الحقيقة أنه لم يكن اللقاء الأول، فقد سبق وتقابل وايزمان مع بلفور عام ١٩٠٥ حينما كان الأخير رئيسا لوزراء بريطانيا، وإن كان اللقاء الأول هذا لم يكلل بالنجاح، إلا أن اللقاء الثانى أبدى فيه بلفور تفهما أكبر لمطالب وايزمان والحركة الصهيونية! فى يناير ١٩١٥، رتب صامويل لوايزمان لقاء على الفطار مع لويد جورج والذى كان وقتها مستشار خزانة التاج البريطانى ــ أحد المناصب الحكومية الرفيعة والمؤثرة على صنع القرار ــ ثم عاد وايزمان للقاء بلفور مرة ثانية فى مارس عام ١٩١٥، وهكذا كثف وايزمان وفريق معاون من الصهاينة المقابلات والضغوط على الحكومة البريطانية لتبنى دعم الوطن اليهودى فى فلسطين!
• • •
كان أبرز التطورات فى هذا الإطار عندما قام هربرت صامويل فى مارس من عام ١٩١٥ بطرح مذكرة على الحكومة البريطانية عرفت باسم «مستقبل فلسطين» ويمكن اعتبار أن هذه المذكرة كانت بمثابة حجر الأساس لوعد بلفور، الذى صدر بعد ذلك بنحو عامين ونصف العام. ففى المذكرة طلب صامويل ضرورة ضم بريطانيا لفلسطين بعد هزيمة العثمانيين تجهيزا لإعطاء اليهود وطنا قوميا فيها، وإن كان لم يفت صامويل فى المذكرة التأكيد على أن الوقت مازال مبكرا لهذا الوطن اليهودى! فى المذكرة ــ والتى صاغها بالتعاون مع الحركة الصهيونية ــ وضع صامويل خمسة مكاسب محتملة لبريطانيا إذا ما تبنت هذه الاستراتيجية:
الأولى: أن ضم فلسطين سيحقق دورا تاريخيا لبريطانيا فى حضارة البلدان المتخلفة!
والثانية: إن ذلك من شأنه زيادة البريستيج العالمى لبريطانيا.
وثالثها: أن من شأن ضم فلسطين تحقيق نتائج إيجابية فى الحرب لصالح بريطانيا دون استعداء الألمان عن طريق الحصول على مستعمراتهم فى إفريقيا ومن ثم دفعهم للانتقام مستقبلا.
ورابعها: إن ضم فلسطين لبريطانيا سيشكل عمقا استراتيجيا للدفاع عن مصر (المحمية بريطانيا وقتها)!
وأخيرا أن هذا الضم من شأنه الحصول على دعم وشكر ملايين اليهود فى العالم، ومن ضمنهم ٢ مليون يهودى ويهودية فى الولايات المتحدة الأمريكية!
• • •
إذا كان من المفهوم المميزات الأربع الأولى وضمنيا النصف الأولى من الميزة الخامسة التى أوردتها هذه المذكرة، لكن لماذا التأكيد والسعى للحصول على رضاء ٢ مليون يهودى فى أمريكا؟ الحقيقة أن الصهاينة كان لديهم قدرة ممتازة على إظهار قوتهم المادية والسياسية، بغض النظر عن أن ذلك كان بالضرورة يحتوى على بعض المبالغات باعتراف حتى بعض المؤرخين اليهود وفى مقدمتهم مارتن كرامر ــ أستاذ دراسات الشرق الأوسط فى جامعة تل أبيب والذى أشار فى أكثر من موضع أن قوة اليهود فى أوروبا والولايات المتحدة كان أحيانا يتم المبالغة فيها ــ لكن لا شك أن تلك الاستراتيجية كانت ناجحة للغاية، لكن ما علاقة ذلك بأمريكا؟ ولماذا كان صامويل حريصا على إظهار أهمية التعاطف الأمريكى اليهودى لبريطانيا؟
السبب ببساطة أن الولايات المتحدة لم تشارك بريطانيا الحرب، وظلت على موقفها المحايد حتى عام ١٩١٧، وهو الأمر الذى لم يرق للبريطانيين الذين كانوا يريدون مشاركة الولايات المتحدة إلى جانبهم لإدراكهم أهمية ذلك فى إنهاء الحرب لصالح دول الوفاق، وخاصة وأن روسيا هى الأخرى بعد ذلك بدأت لا تحرز الكثير من التقدم فى جبهات الحرب بسبب انشغالها بالثورة البلشفية التى اندلعت أيضا فى عام ١٩١٧! ومن هنا كانت الرؤية أن اليهود يستطيعون الضغط على الولايات المتحدة للانضمام لدول الوفاق، صحيح فى النهاية فعلت الولايات المتحدة ذلك وانضمت إلى دول الوفاق قبل عام من انتهاء الحرب، لكن لم يكن القرار بسبب اللوبى اليهودى، بل كان ببساطة بسبب قيام الغواصات الألمانية بمهاجمة السفن الأمريكية فى شمال الأطلنطى!
• • •
بين عامى ١٩١٥ و١٩١٧ وقعت ثلاثة أحداث مهمة، صبت جميعا فى مصلحة الحركة الصهيونية، الأول كان فى مايو عام ١٩١٦، عندما قامت بريطانيا وفرنسا بتوقيع اتفاقية سايكس بيكو سيئة السمعة والتى بموجبها تم التفاوض بين البريطانيين والفرنسيين حول أماكن النفوذ والسيطرة فى منطقة فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، وحصلت بموجبها بريطانيا على فلسطين، وهو ما شكل تحقق الهدف الرئيسى من وراء مذكرة هربرت صامويل، رغم أن الحركة الصهيونية لم تعلم بنتائج الاتفاقية فى وقتها!
والثانى كان فى الشهر التالى مباشرة، حينما قام الشريف حسين بشن حرب على الإمبراطورية العثمانية عرفت باسم الثورة العربية الأولى وهو ما كان نتيجة اتفاق سرى بين الشريف حسين وبريطانيا، بموجبه تشن القوات العربية هجوما على العثمانيين وتطردهم من المنطقة العربية فى مقابل تعهد البريطانيين بالاعتراف بإمبراطورية عربية تمتد من عدن إلى حلب وهو ما خلفه البريطانيون بالطبع!
بينما كان الحدث الأخير هو وصول رئيس الوزراء لويد جورج إلى السلطة وتشكيل حكومة ائتلافية فى ديسمبر من عام ١٩١٦، لتكون كل الأمور ممهدة أمام الحركة الصهيونية وقيادتها لانتزاع الاعتراف والدعم البريطانى لدولتهم المرجوة!
فى فبراير من عام ١٩١٧ بدأت المفاوضات الرسمية بين وايزمان وبريطانيا والتى مثلها الدبلوماسى مارك سايكس الذى مثل بريطانيا فى مفاوضاتها مع فرنسا وعرفت الاتفاقية باسمه واسم المفاوض الفرنسى (سايكس بيكو) قبل ذلك بأقل من عام، ورغم ادعاء سايكس أنه يتفاوض بشكل خاص وليس ممثلا عن الحكومة البريطانية، إلا أن هذا كان مجرد هراء، فقد كان عضوا فى حكومة الحرب وكان يعرض نتائج مفاوضاتها مع وايزمان ورفاقه على الحكومة بشكل دورى!
انتهت المفاوضات الطويلة بموافقة حكومة الحرب على مطالب الحركة الصهيونية ليخرج وعد بلفور الشهير موقعا بواسطة آرثر بلفور الذى أضحى وزيرا لخارجية بريطانيا، والذى وعد اليهود فى وثيقة رسمية بـ «وطن قومى فى فلسطين» وهو الأمر الذى تسبب فى الكثير من الجدل لاحقا حول معنى هذا الوعد تحديدا، وخصوصا وأن بريطانيا لم تكن قد أعلنت الانتداب رسميا على فلسطين، وكذلك فقد شهدت مفاوضات إصدار الوثيقة حوارات مكثفة بين اليهود الصهاينة واليهود المعادين للصهيونية استمعت فيها بريطانيا للفريقين، بيد أنها لم تشمل أى طرف عربى أو فلسطينى! لاحقا حاولت بريطانيا التنصل من المسئولية بالقول أنها وعدت اليهود بوطن قومى «فى» فلسطين وليس «على» فلسطين، بمعنى أنهم لم يعدوهم بكل فلسطين، وهو جدل استمر لفترة طويلة بعد ذلك لكنه لم يغير من حقيقة الأمور فى شىء، فقد أحرزت الحركة الصهيونية أول إنجازاتها الكبيرة، فها هى أقوى دولة فى العالم تعترف وتعد الصهاينة بوطن قومى فى فلسطين!

ملحوظة: نظرا لضيق المساحة سوف يتم الإشارة إلى مراجع هذه المقالة الأسبوع القادم.
أحمد عبدربه مدير برنامج التعاون الدبلوماسي الأمريكي الياباني، وأستاذ مساعد العلاقات الدولية بجامعة دنفر.