شرط لازم لمستقبل الديمقراطية العربية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 3:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

شرط لازم لمستقبل الديمقراطية العربية

نشر فى : الخميس 30 أبريل 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2015 - 9:20 ص

أظهرت ثورات وحراكات الربيع العربى، أينما حدثت، أزمة خانقة تعيشها الغالبية الساحقة من الأحزاب، سواء أكانت قومية أم إسلامية أم يسارية أم ليبرالية. لقد فشلت تلك الأحزاب فى تقديم النصح والخبرة والمساندة للشباب الذين فجروا تلك الثورات والحركات ليتجنبوا ارتكاب الأخطاء وفى الإسهام فى قيادة الجماهير الغاضبة المشؤشة نحو مرافئ الأمان والانتصارات.

والواقع أن تلك الأحزاب ما كان تاريخها، أو النواقص فى إيديولوجياتها، أو مقدار امتدادها وتجذُرها فى المجتمع، أو فهمها للعصر الذى تعيشه الإنسانية قد هيئوها لتقوم بتلك المهمات المطلوبة. وهكذا ضاعت فرصة تاريخية نادرة لتصبح بعض تلك الأحزاب أحزابا قيادية تاريخية مثلما حدث فى العديد من بلدان العالم.

تلك خلفية تستوجب طرح السؤال التالى: ما مستقبل الأحزاب العربية.

الجواب أن ذلك سيعتمد على مقدار مراجعتها، بصورة نقدية موضوعية تجاوزية، لماضيها من جهة وعلى مقدار شجاعتها ومرونتها لتبنى أفكار ومنهجيات عمل جديدة صالحة لمتطلبات المستقبل السياسى العربى من جهة أخرى. وبالطبع سيختلف مقدار تلك المراجعة ونوع ذلك التبنى من حزب إلى حزب آخر.

•••

أما مراجعة ماضى الكثير من الأحزاب فقد كتبت عنه كتب، وهو موضوع معقد وبالغ الاتساع والتشعُب، وبالتالى لا مكان له فى هذه المساحة المحدودة. لكن بعض ما يجب التفكير فيه لتبنيه سنوجزه هنا باختصار.

أولاَ: لقد أصبح موضوع الديمقراطية موضوعا سياسيا مفصليا فى حاضر ومستقبل المجتمعات العربية، إنه موضوع الساعة. ولأن هناك تباينات فكرية وتطبيقية، فى العالم كله وفى الوطن العربى، فإن الأحزاب العربية مطالبة بتفصيل ما يعنيه شعار الديمقراطية بالنسبة لها. وهى، أى الأحزاب، مطالبة على الأخص بالتأكد من أن شعار الديمقراطية لا يتعارض مع بعض شعاراتها الأخرى أو بعض ممارساتها التنظيمية.

فمثلا، فإن شعارات الحزب القائد والعنف الثورى والإيديولوجية المطلقة التى لا ترى العالم إلا أبيض أو أسود، ولا غير ذلك من ظلال، تناقض الديموقراطية المبنية على النسبية والحلول التوافقية.

ومثلا أيضا، فإن الحزب الإسلامى الذى يطرح شعار «أن لا حاكمية إلا لله» فينفى بذلك المبدأ الدستورى القائل بأن الشعب هو مصدر السلطات، ويهيئ لهيمنة رجال الدين والفقه على التشريعات القانونية والحياة السياسية، لا يستطيع الادعاء بإيمانه بالديمقراطية. ولا يستطيع الحزب الإسلامى الذى لا يقبل فى عضويته إلا المنتمين لمذهب معين، سنى أو شيعى، أن يدعى الإيمان بالديمقراطية التى تستوجب عدم التفرقة بين المواطنين فى حقوقهم بسبب العرق أو الجنس أو الدين أو المذهب.

ثانيا: هناك قضايا حزبية تنظيمية قديمة تحتاج بالفعل لمراجعة. فمثلاً هل ستستمر الأحزاب فى ترك أمر اختيار مرشحيها للنزول فى الانتخابات البرلمانية والنقابية عن طريق لجان إدارية أو هيئات انتخاب داخلية، وهى المشهورة بانحيازاتها وتلاعباتها الحزبية، أم ستنتقل من أجل صالح المجتمع وتحسين الحياة الديموقراطية إلى طرح أسماء مرشحيها على جميع أعضاء الحزب وعلى جميع المسجلين من مناصرى الحزب لاختيار المرشحين؟

ثم، هل سيظل انتقاء مرشحى الحزب للنزول فى الانتخابات مقتصرا على السياسيين المخضرمين المحترفين من الرجال أم أنه سينتقل إلى إعطاء اهتمام وأولوية للشباب وللنساء وللأقليات وللمهمشين الفقراء؟

ثالثا: هل ستقوم الأحزاب العربية بعرض برامجها وقراراتها المفصلية على عموم المواطنين من خلال كل أنواع التواصل الاجتماعى الإلكترونى، وذلك للاستفادة من ملاحظات المواطنين، واقتراحاتهم وإجراء التعديلات اللازمة فى البرامج والقرارات قبل إقرارها النهائى؟

رابعاَ: هناك الموضوع الأزلى المتعلق بالممارسة الديمقراطية الشفافة داخل الأحزاب نفسها. فالحزب الذى لا يمارس الديمقراطية فى داخله لا يستطيع الادعاء بأنه سيمارس الديمقراطية عند استلامه سلطة الحكم. ولنا عبرة فيما حل من سقوط مذهل لبعض الأحزاب العربية، التى وصلت إلى الحكم أو البرلمانات إبان السنوات الأربع الماضية، وذلك بسبب غياب الممارسة الديمقراطية فيها وفى أجهزتها القيادية.

•••

لن يكون من الممكن المنطقى الحديث عن انتقال المجتمعات العربية إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية ومستقرة دون حل إشكاليات الأحزاب العربية التاريخية من جهة ودون تجديد لبعض أفكارها وشعاراتها ومنهجيات عملها فى التفاعل مع المواطنين، ودون تغيير جذرى فى تنظيمها لذاتها. مستقبل الديمقراطية فى أرض العرب مرتبط بصورة وجودية بمستقبل الأحزاب العربية.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات